: آخر تحديث

المكتبة تنجو من السرقة

6
12
4

جاء ضمن أخبار مظاهرات فرنسا وما صحبها من سرقات أن صاحب مكتبة كان في المكتبة يتمنى دخول أحد من المتظاهرين؛ لكن المكتبة لم تكن جاذبة لهم. لا للقراءة ولا للسرقة في مدينة توصف بأنها مدينة النور. يقال إن الذكاء الاصطناعي وضع صورة لرجل يقرأ بجانب المكتبة مع عبارة تقول: "المثقفون لا يسرقون واللصوص لا يقرأون".

بصرف النظر عن صدق قصة المكتبة مع المتظاهرين فقد وجدتها من باب الطرافة فرصة للتعليق بشيء من الجد والسخرية. تستدعي هذه الحالة بعض الأسئلة: هل المثقف فعلا لا يسرق؟ وهل هذا يشمل دكان الأفكار والكتب؟، من قال إن اللص لا علاقة له بالقراءة؟ ما هي الثقافة أو من هو المثقف؟

مرّ زمن كانت فيه الثقافة تختزل في قراءة الصحف. الثقافة ذات مفهوم أشمل من قضية القراءة. ليس كل قارئ مثقف وليس كل من لا علاقة له بالقراءة غير مثقف. الثقافة علم وفكر وأخلاق وقدرة على التكيف وبناء العلاقات الإيجابية واتخاذ القرارات والتفكير المنطقي. تلك الحشود من المتظاهرين في بعض الدول الأوربية بدأت في فرنسا بالطلاب بهدف تحقيق مطالب تتعلق بالتعليم ثم جذبت من لهم مطالب أخرى ومن يستغلها لغرض السرقة. هذه المظاهرات تضم الطالب المتميز وغير المتميز، تضم اللص المثقف وغير المثقف، تضم المثقف اللص والمثقف الحقيقي.

الثقافة ليست مخزن معلومات، هي الإنسان بسلوكه وقيمه وممارساته، هي الوعي والانتماء، هي الكيف وليس الكم.

كيف يمكن تقييم ظاهرة المظاهرات بمعيار الثقافة؟ هي من الناحية القانونية في أوروبا نظامية ولها إجراءات تنظيمية، لكن ما يصاحبها من عنف وسرقات يقود إلى طرح سؤال عن إمكانية إيجاد بديل عن هذا الأسلوب في الدول التي تصنف ديموقراطية. هذه الدول التي توصف متحضرة تعتبر هذه المظاهرات رغم ما يصاحبا من تعطيل لحياة الناس أنها جزء من ثقافة المجتمع. أليست هذه نظرة تسيء لمفهوم الثقافة.

سلوك الفرد والمجتمع عنوان للثقافة، قد يكون الفرد واسع الاطلاع وفي ذهنه مكتبة متنقلة لكنه سيئ السلوك. قد يكون متعلما وقارئا لكنه سلبي في علاقته بالمجتمع. قد يحمل صفة مثقف لكنه يتعامل مع الآخرين بفوقية تجعله في المناقشات حادا عنيدا لا يتنازل عن رأيه مهما اتضحت له الحقيقة.

تلك المظاهرات هي صورة من المجتمع تشارك فيها فئات مختلفة لدوافع مختلفة، فهل يمكن في حاله إخضاعها للدراسة القول إنها تمثل ثقافة المجتمع أو القول إن المشاركين فيها غير مثقفين؟ وهذا يعيدنا إلى السؤال السابق من جديد: من هو المثقف؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد