: آخر تحديث

الإقلاع عن الشيء بالشيء

7
13
6

سهوب بغدادي

في عصرنا الحديث أضحت الألعاب الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من يومنا، فلقد غزت المنازل تلك الأجهزة والألعاب حتى وصلت إلى الهواتف المحمولة، وقد يعاني البعض من صعوبة ترك اللعبة في مرحلة ما، فينفصل عن الواقع ويمر الوقت دون شعور، إن بعض من ذلك الشعور جيد ولا بأس به، خاصةً للخروج عن ضغوطات الحياة اليومية واعتبارها هوايةً ترفيهيةً، إلا أن البعض كالأطفال والمراهقين على وجه الخصوص، يصلون إلى مراحل الإدمان! مما يستدعي التدخل السريع والمفصلي لحل المشكلة، في هذا الصدد، مررن بمقطع فيديو بعنوان «كيف تعالج الصين إدمان الألعاب الإلكترونية»، الذي يطرح طريقة غير تقليدية يلجأ إليها الآباء في الصين للتعامل مع الأطفال الذين يرغبون في ترك الدراسة والتحول إلى محترفي ألعاب إلكترونية، وتبدأ الإستراتيجية من خلال إرسال أولياء الأمور أبناءهم إلى معسكرات تدريب مكثفة للألعاب الإلكترونية وبعضها يمتد إلى 22 يومًا دون انقطاع، ليعيشوا التجربة الحقيقية لمهنة احتراف الألعاب، إذ يخضعون لجدول يومي بمعدل 15 ساعة يوميًا من 9 صباحًا حتى منتصف الليل)، حيث تتخلل جلسات اللعب أوقات راحة بسيطة للأكل والاحتياجات الأساسية، ويتضمن المعسكر تحليل المباريات، وتقييمات الأداء، وتدريبات بدنية، ويطلب من المشارك أن يكتب مرئياته عن طريقة لعبه بعد كل مرحلة، المفارقة العجيبة أنه عندما تتحول الألعاب إلى وظيفة صارمة ومرتبطة بنتائج وتقييم أداء ومهمة مكررة، يختفي الشغف تجاهها والاستمتاع بها. بحسب ما ورد في المقطع فإن 85 % من المشاركين يطالبون بالعودة إلى منازلهم بحلول اليوم الثاني أو الثالث، بعد أن يكتشف معظمهم أنهم أرادوا الذهاب إلى المعسكر كوسيلة للتهرب من المدرسة.

من هنا، ترتبط تلك المفارقة بعدد من أبرز النظريات والمفاهيم النفسية من أبرزها: الإشباع التحفيزي (Stimulus Satiation) التي تعتمد على التعريض المفرط والمستمر للمكافأة أو السلوك المرغوب، حتى يصل العقل إلى حالة شبع كاملة تفقد معها اللعبة قيمتها كمكافأة، وتتحول إلى مصدر ملل. كذلك، الممارسة السلبية (Negative Practice) من خلال إجبار الفرد على تكرار السلوك غير المرغوب فيه بصرامة عبر التقييم للأداء والإجبار على كتابة مرئيات، لفترات طويلة ومتواصلة، مما يربط السلوك بالإجهاد الجسدي والنفسي بدلاً من المتعة. كما يظهر تأثير التبرير الزائد (Overjustification Effect)، عندما يتحول نشاط يمارسه الشخص بدافع داخلي -كاللعب بغرض الترفيه- إلى نشاط مفروض عليه بجدول زمني، فينهار الشغف الداخلي وتتلاشى الرغبة.

أخيرًا، سلب الاستقلالية وإحباط الاحتياجات (Autonomy Frustration) تلبي الألعاب عادةً حاجة الفرد للحرية والشعور بالإنجاز، وعندما تُفرض اللعبة كمعسكر إجباري مدته 15 ساعة يوميًا قد تزول الاستقلالية ويحل محلها الضغط النفسي، مما يجعل الدماغ يسعى للهروب من اللعبة نفسها.

بلا شك، قد نوظف تلك الإستراتيجية للتغلب على عاداتنا السيئة على أن تكون طريقة مدروسة ولا ضرر فيها على الشخص وصحته وسلامة من حوله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد