: آخر تحديث

ثقافة "مع أو ضد"!

8
9
4

لفتني في الجدل الذي أعقب لقاء الأستاذ عبدالرحمن الراشد أن بعض منتقديه لم يكتفوا بمناقشة ما قاله، وإنما تعاملوا مع القضية وكأنها اختبار لمواقف الآخرين منه.. فإما أن تكون معه في كل ما قاله، أو ضده في كل ما قاله؛ وهذه الثنائية للأسف أصبحت تحكم كثيرًا من نقاشاتنا العامة، حتى بات الاختلاف في الرأي سببًا كافيًا لإعادة تصنيف الأشخاص، وتحديد من يقف معنا ومن يقف ضدنا، بصرف النظر عن طبيعة القضية أو حجم الخلاف!

وأرى أن المشكلة مرتبطة بثقافة اجتماعية اعتادت التعامل مع الاتفاق باعتباره دليلًا على المحبة، ومع الاعتراض باعتباره بداية خصومة.. ولعل أكثر ما يكشف هذه المشكلة أننا كثيرًا ما نخلط بين الفكرة وصاحبها؛ فإذا أحببنا شخصًا بحثنا عن المبررات لكل ما يقول، وإذا اختلفنا معه أصبحنا أكثر استعدادًا لرفض حتى ما قد يكون صحيحًا في حديثه.. وقد تجد شخصين يتفقان على معظم القضايا، ثم يختلفان في تفسير تصريح أو تقدير موقف، فيتحول النقاش بينهما إلى سجال شخصي، وربما انتهى بخصومة تستمر بعد أن ينسى الجميع القضية التي اختلفا حولها! والأغرب أن بعضنا يطالب الآخرين بتحديد مواقفهم من الأشخاص، وكأن احترام الكاتب أو الإعلامي يعني الموافقة على جميع آرائه، أو أن انتقاد فكرة واحدة يستوجب التنكر لتاريخه وتجربته.

ولا يعني قبول الاختلاف أن نتسامح مع الكذب والتضليل والتجريح؛ فمن حقنا أن ننتقد بقسوة حين تستدعي الفكرة ذلك، وأن نكشف التناقضات ونطالب أصحابها بالأدلة.. لكن النقد شيء، وتحويل الاختلاف إلى خصومة شخصية شيء آخر.. وقد يكون من نختلف معه اليوم أقرب الناس إلينا في قضية أخرى، كما قد نتفق مع شخص في موقف محدد دون أن نتبنى بقية آرائه.. وهذه مساحة طبيعية في العلاقات الإنسانية والفكرية، لا ينبغي أن تضيق كلما احتدم النقاش أو ارتفعت أصوات المتحمسين.

ولأن تقبّل الاختلاف يبدأ من التربية.. فمن المهم ألا نكتفي بتعليم الطفل كيف يعبّر عن رأيه، وإنما نعلمه أيضًا كيف يستمع إلى من يخالفه، وكيف يناقش دون أن يجرح، ويعترف بخطئه دون أن يشعر بالهزيمة.. فمن حقك أن تختلف معي، وأن ترفض رأيي، وحتى أن تحاول إقناعي بخطئه.. ومن حقي ألا أكون معك أو ضدك في كل شيء، وأن أوافقك اليوم وأخالفك غدًا دون أن تتغير مكانتك عندي.. فالنضج ليس أن نتفق دائمًا، بل أن نختلف دون أن نخسر بعضنا!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد