هل اكتمل الانسداد؟ العنجهية الإيرانية تسرع وتيرة العودة إلى الحرب. أميركا تكثف من عمليات نقل أصولٍ عسكرية إلى المنطقة، وبانتظار وصول حاملة الطائرات الثالثة سيرتفع العدد إلى نحو 60 ألفاً. الأميرال براد كوبر قائد «سنتكوم» يقدم في واشنطن إحاطة شاملة بالأهداف والأولويات، بعد مباحثات عسكرية مع قيادة الجيش الإسرائيلي. ويصادف اليوم الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، يوم الانتخابات النصفية، فيكون الرئيس ترمب قد وفّى بوعده بأن لا ضربة عسكرية لإيران قبل الانتخابات.
أفشلت إيران كل الوساطات: الروسية والقطرية والباكستانية، وقدمت قراءة قاصرة لأهداف زيارة وفد دول «اتفاقية مكة». وبينما ركز الوسطاء على إعطاء الأولوية للملف النووي وفتح مضيق هرمز من دون إبطاء، تمهيداً لخطوات تبادلية... خطت واشنطن خطوة كبيرة مع رسالة جي دي فانس إلى محسن رضائي المقرب من المرشد مجتبى خامنئي، ومن المستوى العسكري المقرر. حملت الرسالة محاولة جدية لاختبار إمكانية الاختراق، من خلال مباحثات مباشرة تبدأ بالملف النووي، مسقطة إغراءات «مذكرة التفاهم، والشروط السبعة». لكن طهران سارعت على لسان رضائي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى رفض البحث في الملف النووي ورفض المباحثات المباشرة، مستخفة بالمحاولة الأميركية لإيجاد أرضية للتفاوض، ما سيحمّل طهران مسؤولية العودة إلى الحرب!
قد تكون رسالة فانس فرصة أخيرة لاستبعاد الحرب، وهي تستنسخ نهجاً أميركياً استخدم في أزمات كبرى؛ منها اجتماع جيمس بيكر مع طارق عزيز يوم 9 يناير (كانون الثاني) 1991، عندما رفض عزيز تسلم رسالة من الرئيس جورج بوش إلى الرئيس العراقي صدام حسين، لما تضمنته من شروط. وقيل يومها إن تلك الرسالة كتبت كي تُرفض، وبعدها لم تتأخر كثيراً الحرب، فنشبت بعد أسبوع واحد. ورسالة اليوم توّجت سعياً أميركياً لتجنب الحرب، منطلقه عدم حيازة إيران السلاح النووي، وقد أبرز الرئيس ترمب مراراً المخاوف من أن امتلاك إيران للسلاح النووي خطر يهدد المنطقة والأمن الدولي ويطال الولايات المتحدة. لذا بات من غير المقبول امتلاك النظام الإيراني للسلاح النووي، كما مطلوبٌ تقييد المدى المسموح للصواريخ الباليستية، بينما التخلي عن الأذرع مسألة لا تقبل الجدل، ومثلها القرصنة في مضيقي هرمز وباب المندب.
مع الرسالة، واستمرار الحصار البحري المشدد تقدم الحديث عن الحرب: تريدها واشنطن ضربات مكثفة مدمرة قد لا تقتصر على استهداف النووي والباليستي... وتريد لها طهران أن تكون طويلة تتوسع ومسرحها المدى الذي تبلغه الصواريخ الإيرانية؛ فقد لفت الاهتمام إعلان طهران أن المرشد «المحتجب» التقى كبار القادة العسكريين ليدعوهم إلى أن «يقابل أي مستوى من التهديدات بردٍّ فوري مؤثر ومن دون قيود جغرافية(!!)». إنه نهج ميليشيوي يستعدي البشرية، وخطورته مضاعفة لأن مطلقه الرجل الأول في النظام الإيراني!
خطير ومقلق تهويل إيران باعتزامها تحويل كل المنطقة إلى مسرح عمليات حربية، متوهمة أن التكلفة الكبيرة للحرب تنقذ نظامها السياسي، ويتفاقم المنحى الخطر مع ما نُسِب إلى المرشد مجتبى من إعادة تأكيد على أن «وحدة الساحات عامل حاسم ذو تأثير استراتيجي في تشكيل نظام سياسي وأمني جديد في غرب آسيا(...)»، وغرب آسيا ليس غابة؛ بل هو مجموعة البلدان العربية وشعوبها في شرق المتوسط وشرق البحر الأحمر؛ بلدان نبذت النموذج الإيراني وتبني تجاربها، وهي قاب قوسين من طي صفحة الميليشيات التي أنشأها النظام الإيراني لتكريس سيطرته. إنها طروحات تشي بعجز إيراني مطلق عن القدرة على الاستفادة من دروس تجربة ما بعد كارثة السنوار، وما أحدثته من تغيير استراتيجي في سوريا، ومن تصدع للأذرع الإيرانية في غزة ولبنان واليمن، وسقوط زمن تباهي طهران بأنها تحكم 4 عواصم عربية!
ترتب الحرب الآتية تحديات كبيرة على لبنان، الذي كسرته هزيمة مروعة تسببت بها الحرب الإسرائيلية - الإيرانية على أرضه. وسيكون أمراً كبير الخطورة تجاهل حقيقة أن «حزب الله»، وهو جزء من «الحرس الثوري»، لن يتأخر عن أخذ لبنان إلى حرب «إسناد» جديدة. لقد وُجِدَ هذا التنظيم لمثل هذه اللحظة، ولن يقيم وزناً لوجع الناس ونكبة الجنوب وهزيمة لبنان. ورغم أنه يدرك مدى عجزه، وأن الحصيلة ستكون مزيداً من الموت والاحتلال، فلن يتورع عن المقامرة بأرواح الناس: من جهة كرمى عيون مشغليه، ومن أخرى رهاناً على أن الحرب ستفضي إلى تحقيق معادلة أوحى بها التفسير الإيراني لـ«مذكرة التفاهم»: بقاء السلاح والاحتلال معاً، مع ما يستدعيه ذلك من حصار على قيام الدولة القادرة.
لا يمكن تجاهل سلبيات إرجاء تنفيذ السلطة لقراراتها التاريخية بنزع السلاح، كما اعتماد نهج انتظاري بشأن ترجمة «الاتفاق الإطاري» إلى واقع، رغم وضوح المعادلة التي بني عليها: الأرض مقابل السلاح. سياسة التأجيل وصفة خطرة، فيما لا فكاك للدولة من تنفيذ المهمة المطلوبة: نزع السلاح وتفكيك البنى اللاشرعية التي رسّخت النفوذ الإيراني للحد من تداعيات الحرب الآتية. وحده البدء بتفكيك جزر نفوذ «حزب الله» داخل بعض المؤسسات، التي مكنته من نقل الأموال، على ما يشاع، ومكنته نسبياً من إعادة بناء بعض قدراته...، مثل هذه الخطوات ضرورية لملاقاة القرارات القضائية بشأن شحنة متفجرات «الحزب» أقله لتعطيل جوانب من نهج التحدي و«السلبطة»!

