بادلتها الابتسامة، وهززت رأسي بهدوء، وكأنني أوافق على ما تُضمِره في تساؤلها، رغم أنني كنت على يقين بأن كثيراً مما اسمعه من النقاش لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة.
قلت لها: «حين يتحول الحوار إلى مزاد للمعلومات، يتسابق فيه البعض على سرد ما سمعوا وما نقلوا وما يعتقدون أنهم يعرفون، أُفضّل أن ألتزم الصمت».
ليس لأنني لا أملك ما أقوله، ولا لأنني أجهل حقيقة ما يدور، بل لأنني تعلمت أنه ليس كل حديث يستحق المشاركة، ولا كل معلومة خاطئة تستحق معركة لتصحيحها، ولا كل من يتحدث يريد أن يعرف.
هناك من يناقش ليصل إلى الحقيقة، وهناك من يناقش ليثبت أنه وحده يملكها. وبين الاثنين مسافة شاسعة، لا تختصرها قوة الحجة ولا كثرة الأدلة.
بعض الحوارات تبدأ بتبادل الآراء، ثم تتحول تدريجياً إلى منافسة على من يعرف أكثر، ومن يرفع صوته أعلى، ومن تكون له الكلمة الأخيرة. عندها تضيع الحقيقة وسط ضجيج الكلمات، ويصبح الانتصار للنفس أهم من الانتصار للمعلومة.
وهنا أسأل نفسي: ما جدوى أن أستهلك وقتي وأعصابي في إقناع إنسان لا يريد الاقتناع؟ وما قيمة المعلومة الصحيحة إذا كان من يسمعها قد أغلق عقله قبل أن أفتح فمي؟
وهنا يتوجب عليّ القول إن الصمت ليس فضيلة في كل الأحوال.
فكما أن هناك وقتاً يكون فيه الصمت حكمة، وهناك وقت يصبح فيه تقصيراً.
علينا أن نتحدث عندما تكون الحقيقة معرضة للتشويه، وعندما يؤدي انتشار المعلومة الخاطئة إلى ظلم إنسان، أو الإساءة إلى سمعة، أو تضليل مجتمع، أو اتخاذ قرار يضر بالآخرين.
وعلينا أن نشارك عندما نجد أمامنا عقولاً تسأل لتفهم، وآذاناً تستمع لا لترد، بل لتتعلم. فالحوار الحقيقي ليس امتحاناً للثقافة، ولا استعراضاً للمعلومات، وإنما فرصة ليضيف كل منا شيئاً إلى معرفة الآخر.
وحين ندرك أن الطرف المقابل لا يبحث عن الحقيقة، بل عن استدراج المستمعين إلى التفاعل وانتزاع تصفيق الحاضرين، وأنه لا يسمع إلا صوته، فالأفضل أن ننسحب من الجدل، ونكتفي برصد مزاد المعلومات من دون اقتناع بما يُطرح.
ولعل أكثر ما تعلمته على مر السنوات أن امتلاك المعلومة لا يفرض علينا إعلانها في كل مجلس، وأن المعرفة لا تفقد قيمتها إذا احتفظنا بها لأنفسنا، وأن الإنسان الواثق مما يعرف لا يحتاج إلى إثبات ذلك في كل مناسبة.
كم من نقاش خرجنا منه مرهقين دون أن نغيّر قناعة واحدة!
وكم من صمت اختصر علينا ساعات من الجدل العقيم، حافظنا فيه على الود، وأبقينا للاحترام قيمته!
لكنني أؤمن أيضاً بأن الحكمة ليست في أن نصمت دائماً، بل في أن نعرف متى نتكلم، ومع من، وكيف نتكلم، ومتى نختصر ومتى نسهب، ومتى نكتفي بجملة واحدة ثم نغادر.
ليس المطلوب أن نربح كل نقاش، ولا أن نصحح كل خطأ، ولا أن نقنع كل إنسان بما نعرفه، بل المطلوب ألا نسمح للجدل بأن يسلبنا هدوءنا، ولا للصمت بأن يجعلنا شركاء في تضليل الآخرين.
في النهاية، هناك فرق شاسع بين قوة الإنسان وقدرته على الرد، وبين قدرته على التمييز بين موقف يستحق الكلام وآخر لا يستحق أن نخسر من أجله هدوءنا.
ولهذا، عندما يسألني أحدهم مرة أخرى: «لماذا لا تشاركين في الحديث؟»، سأبتسم وأقول:
«لأنني تعلمت أن بعض الحوارات تُثري عقولنا إذا شاركنا فيها، وبعضها نحافظ على عقولنا إذا ابتعدنا عنها».
* * *
بغض النظر عن سبب إطفاء الأنوار في محيط المستشفيات، فإن الإضاءة مطلوبة في بعض المواقع، مثل المواقف التي تغرق في ظلام دامس يثير الخوف. كما يصعب رؤية العلامات الإرشادية وأرقام البوابات من دون الاستعانة بإضاءة الهواتف المحمولة أو غيرها.
إقبال الأحمد

