موسى بهبهاني
تطرقنا في مقالة سابقة للخصوصية المهدورة... واستكمالاً لها نسلّط الضوء على ظاهرة أخرى مقيتة، وهي ظاهرة التصوير والبث المباشر بالأماكن العامة.
– بث مباشر يتحول إلى موقف محرج داخل أحد المحال!
قامت سيدة وافدة بفتح هاتفها ببث مباشر من داخل أحد المحال التجارية، وأثناء مرور سيدة أخرى بالمكان، فوجئت بظهورها في البث، فما كان منها إلا أن اعترضت على تصويرها وطالبت بإيقاف البث.
لكن المفاجأة أنّ طلبها قوبل بالرفض، حتى بعد تدخل صاحب المحل ومحاولته إنهاء الموقف ومنع استمرار التصوير، من دون أن يتمكن من إيقاف البث.
الموقف يفتح باب التساؤل... هل يحق لأي شخص تصوير الآخرين والبث مباشرة من دون موافقتهم؟
وأين تبدأ وتنتهي حدود الخصوصية؟
- بالفعل ابتلينا بفئة من الأشخاص «المتطفلين» الذين ينتهكون لحظات الآخرين الخاصة بكاميراتهم... هدفهم البحث عن المتابعين والإثارة المستهجنة. هؤلاء قد تجاوزوا الحدود الاجتماعية فهم من فئة (منتهكو الخصوصية ومهووسو الترندات) يتعدون على حقوق الآخرين، يستغلونهم كسلعة معروضة على وسائل التواصل من دون إذن، إما جهلاً أو عمداً، يوثقون تفاصيل حياتهم بشكل مفرط، حيث يدمجون حياة الآخرين في محتواهم اليومي بحثاً عن الشهرة.
فظاهرة - التصوير العشوائي - في الأماكن العامة تعد امتداداً خطيراً لانتهاك الخصوصية، حيث تحولت الهواتف الذكية من أدوات للتواصل الاجتماعي إلى وسائل لانتهاك حرمات الآخرين!
فنجدهم يقومون بالبث المباشر والتصوير في الأماكن العامة (الأسواق - المجمعات التجارية - الديوانيات - مجالس الأفراح والعزاء - حفلات التخرج - الأندية الرياضية - المطاعم - البحر - البر...).
- فما الهدف من ذلك؟
- الهدف الرئيسي منها استفحال هوس الشهرة، وزيادة أعداد المتابعين، وحصد الإعجابات على منصات التواصل!
فهؤلاء لا يبالون بالتبعيات السلبية المترتبة نتيجة لما يقدمونه.
- هل تعد جريمة؟
يخضع التصوير والبث في الأساس لمجموعة من القوانين والتشريعات التي تختلف من دولة إلى أخرى، مثال:
1 - التصوير في الأماكن الخاصة
يُمنع تماماً تصوير الأشخاص داخل منازلهم أو أماكنهم الخاصة من دون إذن مسبق وصريح.
2 - التصوير في الأماكن العامة
يمنع التصوير في المواقع الحيوية من دون إذن مسبق، وان تم تصوير أي فرد بالأماكن العامة، لا يحق لصانع المحتوى النشر من دون موافقة الشخص المعني.
أليس من المتعارف عليه ان التقاط الصور أو مقاطع الفيديو للآخرين ونشرها قد يشكل جريمة قانونية يعاقب عليها القانون، كونها انتهاكاً
لـ «حرية الآخرين»؟
- هل قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا مستهدفة؟
نعم، قيمنا وعاداتنا وشبابنا مستهدفون بشكل ممنهج بهدف تدمير عاداتنا وتقاليدنا وخصوصيتنا، فالشباب والناشئة هم الفئة الأكثر استهدافاً، لأنهم في مرحلة بناء الشخصية، فالمنصات - الغبية - تعزل الشاب عن بيئته الحقيقية (الأسرة و المدرسة والدين) وتضعه في «فقاعة وهمية» ما يجعله يشعر بأن عادات وتقاليد أهله هي «تخلف» و«قيود» يجب التحرر منها.
هل حياتنا الخاصة مكشوفة؟
فعندما تتحول الخصوصية إلى سلعة عامة بوسائل التواصل، وما كان يُعتبر بالأمس سراً من أسرار البيوت تُغلق عليها الأبواب، أصبحت اليوم «محتوى» يُباع ويُشترى بسبب اندفاع البعض خلف الشهرة السريعة والمشاهدات الزائفة.
تلاشت الحدود بين الحياة العامة والخاصة، وأصبح تصوير التفاصيل اليومية البسيطة والمواقف العائلية وسيلة لكسب الإعجابات، ما أفقد البيوت حرمتها وهيبتها.
ما هي المخاطر التي تترتب عليها؟
الخطورة الحقيقية لا تكمن في وجود «التافهين»، بل في تحوّل التفاهة إلى معيار عام يُقاس عليه النجاح والقيمة في المجتمع، فعندما يرى الشباب والمراهقون أن الشخص التافه والمستهتر يملك المال، الشهرة، والنفوذ الاجتماعي، بينما صاحب العلم، مهمش، يحدث لديهم اهتزاز في منظومة القيم، يصبح معيار «الصح والخطأ» مرتبطاً بعدد الإعجابات، وليس بالحلال والحرام أو العيب والأصول.
كيف نواجه هذه الظاهرة ونحمي أبناءنا؟
1 - يتطلب هذا موقفاً حازماً لمواجهة هؤلاء بالمقاومة الذاتية واستخدام سلاح - عدم المتابعة - لصناع المحتوى التافه.
2 - إعادة إحياء مفهوم «العيب والحرام» داخل الأسرة، والتركيز بأن هناك خطوطاً حمراء لا تُمس، وأن«الحياء» ركيزة من الإيمان، وليس ضعفاً أو تخلفاً.
3 - دعم وتشجيع المحتوى الهادف والمحترم، الذي يبرز قيمنا وعاداتنا بشكل مشوق ومواكب للعصر، حتى لا يخلو الفضاء الرقمي، للتافهين وحدهم.
4 - وضع ضوابط حازمة لمنتهكي خصوصية الآخرين.
ختاماً:
المطلوب من الدولة وضع ضوابط حازمة لمنتهكي خصوصية الآخرين، فالقانون المرئي والمسموع والمقروء، يخضع لمراقبة وزارة الإعلام، بأخذ الموافقات لأي عمل، وفي حال مخالفة ذلك ستفعل المحاسبة وفق القانون.
فهل آن الأوان لتحديث التشريع وشمول البث المباشر عبر الأجهزة الشخصية، بضوابط واضحة تحفظ حق الخصوصية وتمنع تصوير الآخرين أو بثهم من دون موافقتهم؟
إنّ انعدام الضوابط في استخدام الهواتف النقالة وما يترتب عليه من تجاوزات في البث المباشر، ليس مجرد خلل تقني أو سلوك فردي، بل هو انعكاس لغياب ثقافة احترام حقوق الآخرين، وتراجع منظومة الأخلاق في المجتمع، وهذا ما نشاهده في كثير من الأماكن العامة أو الخاصة، فحين تُستباح الخصوصيات وتُعرض حياة الناس وأسرارهم من دون إذن أو وعي والآثار السلبية والخطيرة التي تترتب على هذا الانفلات، فإننا أمام أزمة أخلاقية تستدعي وقفة جادة.
من هنا، فإنّ معالجة هذه الظاهرة لا تكون فقط عبر القوانين والأنظمة بل عبر ترسيخ ثقافة الأخلاق، وإحياء الضمير، وتعزيز الوعي بأن الحرية مسؤولية وأنّ احترام الآخرين واجب شرعي وإنساني.
إنّما الأممُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ
فإنْ هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
صلاح أمرك للأخلاق مرجعهُ
فقوّم النفس بالأخلاق تستقمِ
اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.

