تغريد إبراهيم الطاسان
جاءت موافقة مجلس الوزراء مؤخرًا، على نظام التعاونيات لتفتح صفحة جديدة في مسيرة القطاع التعاوني في المملكة، وتمنحه مساحة أوسع ليكون شريكًا فاعلًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومتسقًا مع التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030.
وإذا كانت التعاونيات في جوهرها تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، وهي أن يجتمع الأفراد حول حاجة أو مصلحة مشتركة، وأن تتحول جهودهم وإمكاناتهم المتفرقة إلى قوة جماعية قادرة على صناعة الحلول؛ فإن المرحلة الحالية تمنح هذه الفكرة بُعدًا تنمويًا أكبر، وتجعل من العمل التعاوني أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تنويع الاقتصاد، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.
ومن هنا، فإن الموافقة على نظام التعاونيات لا ينبغي النظر إليها بوصفها تحديثًا تنظيميًا فحسب، وإنما باعتبارها خطوة مهمة في تطوير بيئة العمل التعاوني، وتمكين هذا القطاع من الانتقال إلى مرحلة أكثر نضجًا وكفاءة واستدامة.
لقد أثبتت التجارب التنموية حول العالم أن التعاونيات تستطيع أن تؤدي أدوارًا مهمة في مجالات متعددة، من الإسكان والزراعة والخدمات إلى التمويل والاستهلاك والإنتاج والتنمية المحلية. والميزة الأساسية لهذا النموذج أنه يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية؛ فالتعاونية لا تنظر إلى المستفيد باعتباره متلقيًا للخدمة فقط، وإنما شريكًا فيها، وصاحب مصلحة في نجاحها واستمرارها.
وهذا تحديدًا ما يجعل العمل التعاوني متوافقًا مع كثير من مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي وسّعت مفهوم التنمية من الاعتماد على المؤسسات الحكومية وحدها إلى بناء منظومة تتكامل فيها أدوار الحكومة والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي والمجتمع.
وفي مجال الإسكان على وجه الخصوص، تبدو الفرصة كبيرة أمام الجمعيات التعاونية الإسكانية لتطوير نماذج أكثر ابتكارًا في تلبية الاحتياجات السكنية، والاستفادة من روح التعاون في خفض التكاليف، وتعزيز القدرة على الوصول إلى حلول مناسبة، وتكوين مجتمعات سكنية أكثر استدامة وترابطًا.
ولا يعني ذلك أن التعاونيات ستكون بديلًا عن القطاع الخاص أو البرامج الحكومية، بل يمكن أن تكون شريكًا مكمّلًا لهما؛ تستفيد من الممكنات الحكومية، وتتعاون مع المطورين والممولين ومقدمي الخدمات، وتحوّل احتياجات أعضائها إلى طلب منظم وقابل للتخطيط والتنفيذ.
وهنا تبدأ مسؤولية المرحلة المقبلة. فالنظام، مهما بلغت جودة مواده، يحتاج إلى قطاع قادر على استثمار ما يتيحه من فرص. وهذه المسؤولية تقع على الجمعيات التعاونية نفسها بقدر ما تقع على الجهات الداعمة والمنظمة. نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الجمعية التي تنتظر الدعم إلى التعاونية التي تصنع المبادرة، ومن النشاط المحدود إلى المشاريع ذات الأثر، ومن الاجتهادات الفردية إلى الحوكمة والمؤسسية، ومن قياس النجاح بعدد الأنشطة إلى قياسه بقيمة ما تحقق للأعضاء والمجتمع.
كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بناء قيادات تعاونية مؤهلة، ورفع مستوى الحوكمة والشفافية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، وتطوير نماذج الأعمال، وبناء شراكات حقيقية مع القطاعين الحكومي والخاص والجهات التمويلية. فتمكين القطاع لا يكتمل بالنظام وحده؛ وإنما بقدرة مؤسساته على تحويل الممكنات النظامية إلى مشاريع ومنتجات وخدمات مستدامة.
ومن المهم كذلك نشر الثقافة التعاونية في المجتمع. فالتعاونية ليست جمعية خيرية بالمفهوم التقليدي، وليست شركة تجارية بصورتها المعتادة؛ إنها نموذج اقتصادي واجتماعي يقوم على المشاركة والمصلحة المشتركة والمسؤولية المتبادلة. وكلما ترسخت هذه الثقافة، ازدادت قدرة المجتمع على تأسيس تعاونيات نوعية تستجيب لاحتياجات حقيقية وتقدم حلولًا قابلة للاستمرار.
ومن الفرص التي يمكن أن يفتحها النظام في المرحلة المقبلة، استثمار الخبرات الوطنية المتراكمة لدى المتقاعدين وأصحاب التجارب المهنية الطويلة. فالتقاعد من الوظيفة لا يعني التقاعد من العطاء، وكثير من أبناء المدن والمحافظات والقرى يغادرونها في بدايات حياتهم العملية إلى المدن الكبرى، ثم يعودون إليها بعد سنوات وهم يحملون خبرة ومعرفة وعلاقات وقدرة على الإدارة وصناعة المبادرات.
وهنا يمكن للتعاونيات أن تقدم لهم إطارًا مثاليًا لتحويل هذه الخبرات إلى مشروعات تنموية في مسقط رأسهم؛ فيجتمع عدد من المتقاعدين وأصحاب الخبرات حول حاجة حقيقية في مدينتهم أو محافظتهم، ويؤسسون تعاونية إسكانية أو زراعية أو سياحية أو خدمية أو حرفية أو غيرها، تستثمر ميزات المكان وتوفر فرصًا لأبنائه.
وبهذا لا نستثمر خبرة المتقاعد فحسب، بل نعيد جزءًا من رأس المال المعرفي الوطني إلى التنمية المحلية، ونحوّل الانتماء للمكان من حنين وذكريات إلى مشاركة وعمل وأثر يمتد إلى الأجيال القادمة.
إننا أمام فرصة لإعادة تقديم مفهوم التعاونيات للأجيال الجديدة بوصفه نموذجًا عصريًا قادرًا على الابتكار والاستثمار وصناعة الأثر، لا مجرد صيغة تنظيمية تقليدية. ويمكن أن نشهد في السنوات المقبلة تعاونيات متخصصة في قطاعات واحتياجات جديدة، وتكتلات تعاونية أكثر قوة، ومشاريع مشتركة تستفيد من الاقتصاد الرقمي، وتعاونيات قادرة على بناء شراكات واستثمارات طويلة الأجل.
الموافقة على النظام هي بداية المرحلة وليست نهايتها. وما نأمله اليوم أن تتحول هذه الفرصة إلى حراك تعاوني جديد، وإلى جمعيات أكثر كفاءة، ومبادرات أكثر ابتكارًا، وشراكات أكثر تأثيرًا، وأن يصبح القطاع التعاوني أحد الروافد المؤثرة في الاقتصاد الوطني والتنمية الاجتماعية.
فالمرحلة المقبلة ليست مرحلة «التعاونيات» بوصفها كيانات فقط، وإنما مرحلة التنمية بالتعاون؛ حيث يشارك المواطن في صناعة الحل، وتتحول المصالح المشتركة إلى مشاريع، وتصبح روح التعاون قيمة اقتصادية واجتماعية تسهم في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح.

