: آخر تحديث

أن تصنع عالمك بجمع الأشياء

0
0
0

يمارس البعض في طفولته هواية جمع الأشياء دون أن يعرف لها اسمًا، أو يتذكر تاريخًا، كنا نجمع الطوابع، أو العملات القديمة، أو صور الشخصيات، وربما احتفظنا بتذاكر المباريات والسفر، كان يكفي أن تمتلك شيئاً لا يمتلكه أصدقاؤك حتى تشعر أن لديك كنزًا خاصًا.

لكن دومًا ما كنا نواجه تحدي فائدة وقيمة ما نجمع! سؤال ربما يفسد رؤيتنا لما نحب؛ لكن ليس كل ما نملكه يجب أن تكون له فائدة مباشرة! بعض الأشياء نحتفظ بها لأنها تمنح حياتنا معنى وقيمة.

عرف الإنسان منذ العصور القديمة اقتناء القطع النادرة، هذه الظاهرة تشكلّت بوضوح خلال عصر النهضة في أوروبا، حين ظهر ما عُرف بـ"خزائن العجائب" Cabinets of Curiosities؛ والتي يجمع أصحابها فيها الأعمال الفنية، الأحجار الغريبة، والأصداف، والأدوات العلمية، والمخطوطات، والتحف القادمة من بلدان بعيدة، في محاولة لصناعة عالم يمكن لصاحبه أن يتأمله ويفهم من خلاله العالم الأكبر.

انتقلت ثقافة الجمع من قصور الأثرياء إلى طبقات المجتمع، ومع تمدد البريد خلال القرن التاسع عشر، ازدهرت هواية جمع الطوابع، وتحوّل ذلك الملصق الصغير إلى نافذة على دول العالم، أعلامها، قادتها وأحداثها، فنونها وآثارها، أما في أميركا فقد صنعت بطاقات البيسبول ثقافة متميزة، بدأت بالانتشار تجاريًا ثمانينيات القرن التاسع عشر، حينما كانت توزع مع العلكة أو السجائر، ثم أضحت في القرن العشرين جزءًا من ذاكرة الأميركان، يتبادلونها، ويبحثون عن نوادرها، ويتفاخرون باكتمال مجموعاتهم، وتحوّلت لاحقًا إلى سوق ضخمة، لكنها ظلت لكثيرين مرتبطة بالحنين وذكريات الطفولة أكثر من ارتباطها بالسعر، أيضًا البطاقات والمجسمات التي ظهرت للأبطال الخارقين، وكذلك مسلسلات المانجا اليابانية.

تكمن قيمة الجمع بتراكم المعرفة من حولها، من يجمع العملات سرعان ما يجد نفسه محاطاً بالتاريخ والاقتصاد، ومن يجمع بطاقات الألعاب الرياضية يدرك تاريخ الأندية والبطولات واللاعبين، ومن يجمع الساعات قد يدخل إلى عالم الهندسة والتصميم، ومن يجمع بطاقات الشخصيات الكرتونية يعرف القصص والرسامين، وأكثر.

لكن الأجمل أنك حينما تبني مجموعتك الخاصة، فإنك تصنع جزءًا من هويتك بعيدًا عن العمل والمسؤوليات اليومية، نحن نحتاج إلى مساحة لا تتعلق بما نفعله لكسب رزقه، فحينما تقول: "أنا أجمع الطبعات الأولى للمجلات العربية"، أو "أجمع بطاقات البوكيمون"، أو "أحتفظ بتذاكر ناطحات السحاب التي زرتها"، يعني أن لديك عالمًا صغيرًا لا يخص الآخرين، إنه شيء لك أنت وحدك!

حتى الرحلات تتغير! فجامع الكتب القديمة يبحث عن مكتبات المدن وأسواقها الشعبية، وجامع الأسطوانات الموسيقية يدخل متاجر ربما لم يكن ليدخلها لولا هوايته، تمسي المدينة بالنسبة إليه أكثر من مطاعم ومعالم سياحية؛ تتحول إلى رحلة بحث عن قطعة جديدة تضاف لمجموعاته.

ورغم أن "الجمع" قد يبدو هواية فردية، لكنه اجتماعي بصورة مدهشة، فالهواة يلتقط بعضهم بعضًا، في المعارض والمنتديات والمنصات الرقمية، تبدأ المحادثة بسؤال عن مدى توفر قطعة ما، ثم تنشأ معرفة وربما صداقة كاملة! فالاهتمامات المشتركة أسرع الطرق لاختصار المسافة بين الغرباء.

صديقي جوهر "الجمع" ليس تكديسًا للأشياء، بل عالم صغير يخص صاحبه، سوف تكتشف بعد سنوات من مراكمة القطع والبطاقات، أنك بنيت سيرةً صغيرة لحياتك، لك وحدك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد