: آخر تحديث

(فن القط العسيري.. أنامل تزهر على الجدران)

0
1
0

ناهد الأغا

فن القط العسيري، هذا النقش التجريدي العتيق الذي تخطه أنامل النساء، يمثل كتابة صامتة، وشاهد حي على أن الإبداع في هذه الجزيرة هو نسيج حياة، وفلسفة كاملة قامت على أكتاف المرأة العسيرية فأبدعت وأدهشت،تصنع في بيتها متحفاً حياً، تملأ الفراغ بالمعنى، تحوّل الحائط الأبيض الخالي إلى مخطوطة بصرية تحكي قصة الأرض والناس والأحلام...

في التاسع من ديسمبر عام 2017، أصدرت منظمة اليونسكو قرارها المرتقب: إدراج فن القط العسيري ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، كان هذا القرار تتويجاً لعبقرية فنية تشكلت في عمق الجبال، بعيداً عن أكاديميات الفنون ومدارس الرسم ونظريات الجمال المستوردة، كان إعلاناً موجهاً إلى العالم بأسره، مفاده تأملوا هذه المرأة في مرتفعات عسير، لقد أنتجت فنها الخاص، بقوانينه الذاتية، بمواده المحلية، فأبدعت من رحم الفراغ، من حوار حميم مع الطبيعة واللون والهندسة، تاركةً للدنيا إرثاً بصرياً نادراً...

يُقرأ إدراج القط العسيري في قائمة اليونسكو بمستويات متعددة، على مستوى الهوية الوطنية، وسام يعلّق على صدر الثقافة السعودية، دليل ساطع أمام المجتمع الدولي على أن هذه الأرض منتجة للجمال، مصدرة للفن، حاضنة للإبداع الإنساني في أنقى تجلياته و الثقافة السعودية ه تقدم نفسها للعالم بوصفها ثقافة حية، فاعلة، متجددة، تمتلك إرثاً غنياً يستحق الصون والدراسة والاحتفاء وعلى مستوى الدراسات الثقافية، يقدم القط العسيري مادة بحثية ثرية حول الفنون النسائية، وحول اقتصاديات الإبداع المنزلي، هذا الفن الذي تناقلته النساء جيلاً بعد جيل، باللمس والنظر والمحاكاة، يختزن فلسفة كاملة في نقل المعرفة الحية.

إن هذا الاعتراف الدولي يؤكد مسؤولية المؤسسات الثقافية المحلية، الأفراد الغيورون على الموروث، جميعهم يساهمون اليوم في حماية معارف هذا الفن ومهاراته، ويعملون على توثيقه قبل أن ترحل آخر حافظاته، وعلى نقله إلى الأجيال الناشئة بوصفه إرثاً إنسانياً خالداً يتجاوز كونه زخرفة جدارية ليصير شاهداً على عبقرية إبداعية تشكلت في عمق الجزيرة العربية، التدريب، التوثيق البصري، إقامة ورش العمل، دمج القط في برامج التعليم الفني، كلها جهود تصب في معنى واحد، هو حفظ هذا الكنز من الاندثار، وصونه ليبقى نابضاً بالحياة، شاهداً على أن الجمال الأصيل يخلد، إن ما قدمته المرأة العسيرية للإنسانية يتجاوز فكرة الزخرفة الجدارية بمسافة شاسعة تصل عمق الروح بامتداد الأفق، لقد قدمت نموذجاً نادراً للإبداع الصافي، ذلك الإبداع الذي ينبت من التربة المحلية وينطلق إلى الآفاق الكونية، كما تنبت الزهرة البرية من شق صخري فتملأ الوادي عطراً، وهذا الفن الذي خرج من رحم الجبال، من صمت البيوت الطينية، صار اليوم درساً يُدرّس، وأيقونةً تُلهم الفنانين في أقصى بقاع الأرض.

تشكل منظومة الألوان المستخدمة في فن القط العسيري بما يمكن تسميته الاقتصاد الجمالي المكتفي بذاته، حيث تعتمد المرأة العسيرية على مصادر لونية مستخلصة بالكامل من بيئتها المحلية كمواد طبيعية مثل حجر المشقة، والكركم، والفحم، والبرسيم، ثم تُطحن وتُخلط بالصمغ لتكوين ألوان متماسكة، في ممارسة تعكس خبرة متوارثة عبر الأجيال وتُستخدم ريشة مصنوعة من ذيل الماعز لرسم الزخارف بدقة، لتجسد ارتباط الحرفية ببيئتها

ختاماً

المرأة العسيرية تنثر اللون على الجدار بنفس اليقين، تنثر بذور الفرح، تثق أن هذا الجدار سيُزهر و هذا الجمال حارس للذكريات، كدفتر مفتوح تقرأ فيه الأجيال القادمة قصة امرأة عشقت الجمال فأهدته لبيتها، لضيفها، لزمن لم يأت بعد...

هكذا يولد الفن..


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد