: آخر تحديث

التاريخ الاستعماري الجميل

2
2
2

يقول، في شريط مسجل: توحش الاستعمار البريطاني، الفرنسي، البلجيكي، البرتغالي، في بلادنا. لكن لا مقارنة بين البريطاني والفرنسي، فالأخير قتل 15 مليوناً في الجزائر خلال ثورتها، وبالتالي فهو متوحش. أما البريطاني فلم يفعل الشيء نفسه، بخلاف أنه توحش في فلسطين وأعطى من لا يستحق أرضنا. وتوحش في الهند، وفعل أكثر من ذلك في بلاد أخرى(!!!).

لكن دول الخليج كان لها وضع خاص، حيث لم يقتل البريطانيون فيها شخصا واحدا، ولم يسرقوا ذهبها، كما فعلوا مع دول أخرى، وبالتالي لكل حالة حكمها... إلى آخر ذلك من غريب الكلام.

يستطرد قائلا بأن البريطاني لم يجرم في الخليج، بل أراده معبراً آمنا من الهند وأستراليا إلى أوروبا. ثم جاء النفط، فأصبح شريكا في التنمية. فقد بنى المصافي في الأحمدي. وأعطونا مميزات استثمارية لم تتوفر لأي أجنبي، فلماذا ندخلهم مع الاستعمار البريطاني في فلسطين، فهذا له الحكم، ووضعنا له حكم آخر، والعملية ليست جملة (؟؟؟) وعندما نطلق لقب «استعمار»، فإننا نخلط الأمور، فقد أسهموا في تنمية الكويت وعُمان وعدن، التي كانت خلال «استعمارهم» جوهرة موانئ الكون كلها (هكذا). فكل بضائع الدنيا فيها. وعندما خرجوا منها، احتلها الشيوعيون.

ويقول بأنه تمت شيطنة كلمة «الاستعمار»، فالكلمة تعني العمران (وبالتالي هي كلمة غير شيطانية)، وغير بغيضة، بل كلمة جميلة، لأنهم بنوا الشوارع والمصافي.

***

يصعب الرد على هذا المنطق في مقال من بضع كلمات، بل يتطلب العشرات منها، فلا يجوز اختزال التاريخ الاستعماري، لأي دولة، بكل بشاعته، في تسمية أو تعريف، فإن كان معنى الكلمة جميلا فهو جميل، ولو كان صاحب تاريخ إجرامي. وإن كان بشعا فهو بشع، حتى لو كان صاحب تاريخ عظيم ومشرف. وهذا تبرير وتفسير مضحك بالفعل. والأكثر غرابة منه النظر للأمور من زاوية مصالحنا الخاصة، متجاهلين، بأنانية واضحة، معاناة عشرات الدول من الحكم الاستعماري، وأنهار الدماء التي أراقها لاستمرار احتلاله واستغلاله لتلك الدول، ومن السخف حقا، اعتبار طرف ما طيبا وجميلا، لأن كان فقط غير متوحش معي، بالرغم من كل جرائمه على مدى مئات السنين مع العشرات من دول العالم.

كما من المضحك القول بأنه لم يتوحش في تعامله مع الخليج، بمثل توحشه مع بقية الدول، التي استعمرها، فهذا قول مسيء لدول الخليج، لأن التوحش يأتي عادة نتيجة مقاومة حكم الاستعمار، والاستسلام التام لا ينتج عنه اي توحش.

أما الاستشهاد بدور الإنكليز «الإيجابي» في عدن، وأن ميناءها كانت تمر به «بضائع الكون»، فهذا يتضمن مبالغة كبيرة، ولا يعني أنه كان استعمارا شريفا، فقد ترك عدن دون مدارس ولا جامعات ولا حريات ولا برلمان ولا قادة سياسيين، وكان طبيعيا قيام الشيوعيين بملء الفراغ الذي تركه الحكم الاستعماري وراءه، لأنهم فشلوا في خلق طبقة سياسية حاكمة أو حياة كريمة حرة، فهذا لم يكن يوما دورهم. فقد حكمت بريطانيا الهند لمئتي عام، بأقل عدد من الجنود، وكان أهم أسلحتها تأليب كل جماعة على الأخرى، فأمنت من شر الجميع، وعندما خرجت تفتت الهند لعدة دول.

الرد طويل، والموضوع ذو شجون، ومؤلم ما نراه من تبرير لجرائم الاستعمار، ومحاولة تجميل صورته، البالغة السوء، فقط لأن دورهم، حسب معنى تسميتهم، يكمن في تعمير البلاد، التي يقومون بحكمها.

كما كان غريبا تناسي المتحدث ما فعله بنا البريطاني «بيرسي كوكس»، في العقير، عام 1922. وكان يفترض به، وهو الذي تقلد العديد من المناصب المهمة، بدعم حزبي معروف، أن يكون صاحب رؤية أكثر إنصافا ونضجا، لكن الشرهة على وسائل التواصل.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد