: آخر تحديث

بريطانيا... بيرنهام بين العمدة ورئيس الحكومة

0
0
0

عندما واجه أندي بيرنهام مجلس العموم هذا الأسبوع، بعد غياب ستة عشر عاماً، تردد السؤال في منصة الصحافيين: ليس فقط كيف سيتعامل رئيس الوزراء الجديد مع البرلمان؟ بل كم يتذكر -كرئيس حكومة- من قواعد المكان الذي تركه وزيراً منذ سنوات طويلة؟

أثبت الثلاثاء أنه ما زال يحتفظ ببلاغته. وفي اليوم التالي، في أول جلسة له لأسئلة رئيس الوزراء، اكتشف أن البرلمان لا يكتفي بالخطابات البليغة، والوعود؛ فالوعود تتحول سريعاً إلى أسئلة، وبدورها إلى حسابات.

في بيان الثلاثاء، والحوار الذي تجاوز بعده ثلاث ساعات، عرض بيرنهام مشروعاً طموحاً: مواصلات أرخص، ومساكن شعبية أكثر، وإعادة التصنيع، وتوسيع سلطات الأقاليم، وزيادة دور الدولة في الخدمات الأساسية، والاستثمار. وجعل «داونينغ ستريت الشمالي» في مانشستر محور ما سماه «إعادة توصيل أسلاك الدولة البريطانية».

وخص النظام الاقتصادي الذي بدأ في الثمانينات بهجوم موسع، بلا ذكر مهندسته مارغريت ثاتشر بالاسم. واختار شركات المياه المخصخصة مثالاً، «كنصب تذكاري يتسرب منه الماء» لاقتصاد يخدم المصلحة الخاصة لا العامة.

قواعد ويستمنستر لم تتح لزعيمة المعارضة، كيمي بيدنوك، سوى مداخلة واحدة، الثلاثاء؛ مقابل ست فرص، الأربعاء، استغلتها لوضع بيرنهام أمام الامتحان الحقيقي: من سيدفع؟

ضغطت عليه كي يستبعد زيادة الضرائب. فلم يفعل. وتجنب الإجابة المباشرة أنه لن يكتب الميزانية أثناء الجلسة، مؤكداً التزامه الانضباط المالي. وهنا ظهرت أولى نقاط ضعف انتقال العمدة إلى العاصمة.

فالعمدة يستطيع إطلاق المبادرات، والتفاوض مع الخزانة للحصول على ميزانية أكبر، وشرح مشاريعه مطولاً. أما رئيس الوزراء، فإنه يجلس إلى جواره وزير المالية، حارس الخزانة؛ وأمامه معارضة تسأله عن مصدر الإنفاق؛ ووراء ظهره نواب حزبه، ليذكّروه بمصير سلفه، وبأن ينظر إلى الوراء في حذر.

والتقطت بيدنوك جغرافية مجلس العموم ببراعة. فعندما هلل نواب «العمال» خلف بيرنهام، تساءلت: لماذا يفرحون بينما لم يشرحوا بعد لماذا تخلصوا من سلفه؟

كانت لكمة جيدة موجهة إلى الحزب الذي أوصل زعيمه الجديد إلى مقعد الحكومة الأمامي.

ولا يزال بيرنهام يبحث عن إيقاعه البرلماني؛ بطيئاً أحياناً، ومطولاً في أحيان أخرى، ويميل إلى الشرح حين تتطلب الأسئلة جواباً قصيراً، وضربة مرتدة خاطفة. وفي معظم الدقائق الخمس والأربعين بدا أقرب إلى عمدة مانشستر منه إلى رئيس حكومة المملكة المتحدة.

هل هو توتر طبيعي بعد غياب طويل؟ ربما. فقد بدأت بيدنوك أسئلتها بمجاملة ماكرة، مهنئة إياه على «قدرته على التحمل» بعد جلسة الثلاثاء الماراثونية. وإشادة امرأة بأداء رجل في اليوم السابق أثارت الضحك المتوقع في القاعة، ومنصة الصحافة.

لكن سرعان ما عادت بيدنوك إلى الاقتصاد، والضرائب؛ أرض قد تصبح حقل ألغام أخطر من طلقات النكات.

ورد بيرنهام بتذكير المحافظين بأن أندرو غريفيث، وزير مالية حكومة الظل، كان ضمن فريق حكومة ليزا تراس، وميزانيتها المصغرة الكارثية. فردت بيدنوك بأن غريفيث، مهما كان رأي بيرنهام فيه، يملك خبرة وزارية تفوق خبرة فريقه الجديد مجتمعين.

نقطة لبيدنوك.

وحمّل بيرنهام حكومات المحافظين مسؤولية ضعف النمو، وارتفاع الديْن، وترك الاقتصاد معرضاً للاضطرابات العالمية، وأعاد خصومه مراراً إلى تجربة تراس.

نقطة لبيرنهام.

ونتيجة المباراة، التي تخللها نزال استمر أربع عشرة دقيقة بين بيدنوك وبيرنهام، من منصة الصحافة: تعادل.

لكن الأهم أن الأربعاء كان امتحاناً لوعود الثلاثاء. فالنقل الأرخص، والإسكان، والاستثمار العام، وزيادة سيطرة الدولة، وإعادة التصنيع، والإنفاق الدفاعي؛ كلها تحتاج إلى المال. وبين طموحات بيرنهام والخزانة يقف دافع الضرائب.

ولهذا فإنَّ رفضه استبعاد زيادة الضرائب قد يكشف كعب أخيله الحقيقي.

كان بيرنهام قد وعد الثلاثاء بسياسة تقوم على «حل المشكلات بدلاً من تسجيل النقاط». وفي اليوم التالي كان يسجل النقاط على حساب ليزا تراس، بينما تسجل زعيمة المعارضة نقاطها في ساحة الضرائب، والإنفاق. تأثير ويستمنستر في العمدة قوي، وسريع.

ولا يزال الوقت مبكراً للحكم. بيرنهام سياسي ذو خبرة، وتصوره عن اللامركزية -ودور الدولة، والنمو- واضح. وبيدنوك تزداد ثقة بمنازلة الأربعاء، وتحاول إعادة المحافظين إلى موقع الحزب القائد ليمين الوسط قبل أن يستولي «ريفورم» على اليمين كله.

لكن الصراع الأكثر إثارة في أسبوع بيرنهام الأول لم يكن بينه وبين بيدنوك، بل بين العمدة الذي كان يشغل منصبه ورئيس الحكومة الذي عليه أن يصبحه.

الأول يعرف كيف يعد، ويشرح. والثاني عليه الآن أن يحاسَب، ويدافع، ويدفع الحساب.

والرجل الذي وصل إلى داونينغ ستريت، واعداً بتغيير ويستمنستر، قد يكتشف أن ويستمنستر نفسها لديها تاريخ طويل في تغيير رؤساء الحكومات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد