على امتداد قرن ونيّف، أي منذ الانتدابات الأوروبيّة على بلدان المشرق، تلاحقت تحوّلات طالت نُخبها وعكست انقلابات مزاجها.
وربّما صحّ أنّ التحوّل الأوّل كان الانتقال إلى وعي وطنيّ جنينيّ واكب نشأة الدول، بعدما كان المزاج السائد إمّا عثمانيّاً إسلاميّاً، تسعى بعض أصواته إلى استعادة الخلافة التي ألغاها أتاتورك، أو عربيّاً حضنته بيئة «الثورة العربيّة الكبرى» التي نبعت في الحجاز وصبّت في دمشق.
وهنا يُلاحَظ كيف أنّ أسماء مؤسِّسة انتقلت ممّا كان يُسمّى عملاً قوميّاً عابراً للحدود إلى العمل الوطنيّ في بلدانها وضمن حدودها الوليدة. ففيصل بن الحسين، ملك سوريّة ثمّ العراق، وشقيقه عبد الله، أمير شرق الأردن ثمّ ملكه، كانا على رأس المتحوّلين عن وعي «الدولة العربيّة» إلى وعي الدولة الوطنيّة. وتباعاً سلك الدربَ نفسه ضبّاط عثمانيّون سابقون، كان نوري السعيد أبرزهم، شاركوا في «الثورة الكبرى» قبل أن يستقرّوا في حكم العراق.
شيء مماثل حصل مع قيادات «الكتلة الوطنيّة» السوريّة، وفي عدادهم اللبنانيّ رياض الصلح، ممّن كان الانتماء إلى الأعيان وملاّكي الأرض السمة الاجتماعيّة لأغلبيّتهم الكاسحة.
وقد باشرَ هذا التعقّل، في ربطه السياسة بواقع ملموس هو الدولة القائمة، فرض نفوذ فكريّ لا تعوزه الحجج. ففضلاً عن قيام الأوطان، انهارت التجربة الفيصليّة «العربيّة» في دمشق، وتوطّدت الوطنيّة التركيّة في صياغتها الأتاتوركيّة بديلاً من العثمانيّة «الإسلاميّة»، وهذا فيما كانت البلدان الغربيّة هي وحدها الطرف الخارجيّ المؤثّر.
هؤلاء لم يحملوا آيديولوجيا قاطعة ولا بشّروا بخلاص مضمون، بل اعتمدوا، بطريقتهم، مناهج ووسائل للتجريب في إنشاء البلدان والمجتمعات. لكنّ نفوذهم كان يتعرّض لتحدّيات بدأت طفيفةً قبل أن تكبر لاحقاً وتتضخّم. فحينذاك تأسّست «جماعة الإخوان المسلمين» في مصر وبدأت تنتقل ببطء وتدرّج نحو المشرق الآسيويّ. وفي موازاة الأجواء الإسلاميّة الفلسطينيّة التي واجهت الهجرة اليهوديّة، احتلّت سياسات الحاج أمين الحسيني وأفكار شكيب أرسلان وزملائه رقعة من الوعي والسلوك العامّين. ثمّ في طور تالٍ شرعت تنتعش الحركات القوميّة التي عبّرت عن جيوش وإدارات أقامتها الدول ووسّعتها، وعن طبقات وسطى، دنيا وأحياناً عليا، حمل شبّانُها طموحات متباينة. وهذا جميعاً وازاه، وأثّر فيه، صعود الفاشيّات الأوروبيّة وتنظيماتها.
ويصعب، في رصد التاريخ الأبعد لنكبتنا الراهنة، التغافل عن تلك التحدّيات التي جعلت تنمو وتكبر جيلاً بعد جيل. فقد جاء التحوّل الثاني، وكان الانقلابُ العسكريّ أداتَه، ليُحدث انتقالاً من التعقّل والجزئيّة إلى السعي وراء الخلاص الشامل. وكانت القوميّة الناصريّة والبعثيّة قد أفادت من تفاقم المسألة الزراعيّة التي أُهمل حلّها إفادتها من قيام إسرائيل في 1948، ومن تعاظم أصوات التحرّر الوطنيّ في «العالم الثالث»، وكان أقربها إلينا تجربة محمّد مصدّق الإيرانيّة أوائل الخمسينات. وفي المناخ الأعرض للحرب الباردة والتحالف مع السوفيات، وُطّدت الديكتاتوريّة الأمنيّة والعسكريّة بوصفها رافعة الخلاص الذي يوحّد العرب ويحرّر فلسطين. وبدل تصليب الدولة إبّان التحوّل الأوّل، تخلّلت وحدةُ 1958 التحوّلَ الثاني فبدّدت الدولة السوريّة ورسمت إلغاءها بوصفه بشرى تاريخيّة.
وتمثّل التحوّل الثالث بالتمركُس الذي تبنّتْه فئات شبابيّة جذبتها التجارب الصينيّة والفيتناميّة والكوبيّة، ورأت أنّ هزيمة 1967 هزيمةٌ للناصريّة وللوطنيّة «البورجوازيّة الصغيرة»، وأنّ تقليد التجارب الجذريّة المذكورة هو وحده طريق الخلاص. ومع أنّ التحوّل هذا بقي أضعف التحوّلات على مستوى الأمزجة الشعبيّة، كان تأثيره الفكريّ ومدى استيلائه على اللغة السياسيّة تطوّراً لا يُستهان به. وبفعل تمركُزه حول القضيّة الفلسطينيّة، كانت مساهمته بارزة في تصديع الدولة الوطنيّة وتدشين البدايات الميليشيويّة، وذلك ابتداءً بالحرب الأهليّة في الأردن عام 1970 التي افتتحها خطف طائرات مدنيّة وأجّجها شعار «كلّ السلطة للمقاومة».
وكان من خصوصيّات الحرب اللبنانيّة أنّها محطّة اندماج بين التحوّلين الثاني والثالث، ما أسهم في إطالتها وتعقيدها، قبل أن تغدو جسراً للتحوّل الأخير الحاليّ. فهذا الذي نعيش نتائجه اليوم عنوانه التأسلم السياسيّ الذي يزعم وضع المنطقة في قلب الخلاص الشامل.
والحال أنّ التيّار هذا لم يفارق المشرق طوال القرن المنصرم، وإنْ بأقدار متفاوتة من القوّة والتأثير. لكنّه، وقد استفاد من هزيمة 1967 وانحسار موجة القوميّة، وجد في ثورة إيران عام 1979 يوم ظفره الأمجد.
وكما بدا هذا التحوّل ضالعاً في خلاصيّته، كان، بالقدر نفسه، شديد التصديع للدولة الوطنيّة التي استُبدلت بالميليشيا، وللجماعة الوطنيّة التي استُكمل تفجير علاقاتها الأهليّة.
ومع «طوفان الأقصى» الذي أطلقته «حماس» الإسلاميّة، وعزّزته قوى إسلاميّة أخرى، في لبنان والعراق واليمن، وفي درّة التاج الإيرانيّة نفسها، اكتملت دورة الفناء الذاتيّ. فقد أدّى كلّ طرف واجبه في تصديع الدولة الوطنيّة، عبر مزيد من الخلاصيّة والتجذّر واليقين الخالص.
وها نحن في عود على بدء إلى حيث لم تكن هناك دولة، ولا كان لدينا سوى «أرض يباب» نرجع راهناً إليها، فَرِحين مُصرّين على أنّنا إن متنا فسوف «نموت واقفين ولا نركع».

