معظم الاكتشافات العظيمة تأتي نتيجة منهجية والتزام، غير أن بعضها قد يكون نتيجة قصة فشل، ومادة مركونة على رف! وعالم قرر أن يمنح منتجًا مهملاً فرصة أخيرة قبل أن يتخلص منه!
هكذا بدأت قصة دواء Chlordiazepoxide "كلورديازيبوكسيد"، أول دواء من عائلة البنزوديازيبينات، الشهير بالاسم التجاري "ليبريوم"، وهو اكتشاف أشرعَ بابًا واسعًا في الأدوية النفسية، اُشتقت منه لاحقًا أدوية شهيرة.
بطل القصة هو الكيميائي البولندي "ليو هنريك شتيرنباخ"، تأثر بوالده الصيدلي فحصل على الدكتوراه في الكيمياء العضوية، والتحق بشركة "روش" السويسرية للأدوية قبيل الحرب العالمية الثانية، ومع تمدد الاحتلال النازي اضطر إلى الانتقال إلى الولايات المتحدة، حيث عمل في مختبرات الشركة بولاية نيوجيرسي.
في منتصف القرن العشرين كان البحث على قدمٍ وساق عن أدوية أكثر أمانًا للقلق والتوتر، إذ كانت مجموعة "الباربيتورات" الدوائية مستخدمة على نطاق واسع، رغم ما فيها من تحديات الاعتمادية والسميّة، شيّد "شتيرنباخ" وفريقه نحو أربعين مشتقًا كيميائيًا، بهدف التأثير على الجهاز العصبي، ولكن للأسف لم يظهر النشاط الدوائي المأمول، ووصل المشروع في عام 1955 إلى طريق مسدود، مثل ما يصل إليه آلاف المشاريع الدوائية داخل المختبرات كل عام، ليتركه وينتقل إلى مشاريع أخرى، لكن كان بين المركبات الناتجة مسحوق بلوري أبيض، تكوّن بعد معالجة أحد المشتقات بالميثيل أمين، وبقيت المادة محفوظة لمدة عامين دون اختبار، وفي عام 1957، وأثناء مراجعة المواد المتبقية من المشروع القديم وتنظيف المختبر، عُثر على العينة، وبدل أن تُرمى، قرر إرسالها للاختبارات الدوائية!
عندما خضعت المادة للاختبارات الحيوانية، ظهرت نتائج مختلفة عما شاهده في المركبات السابقة، إذ لوحظ تأثير مهدئ ومضاد للتشنجات ومرخٍ للعضلات، انتقلت المادة بعد ذلك إلى الدراسات السريرية، وفي التجارب المبكرة لم يظهر لها تأثير نوعي قوي كمضاد للذهان، لكن الباحثين لاحظوا انخفاض القلق لدى المرضى.
عُرف علميًا المركب بـ"كلورديازيبوكسيد"، وحصل على براءة اختراع عام 1958، ثم دخل الاستخدام الطبي بعد موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية في فبراير 1960 ليكون أول دواء من مجموعة بنزوديازيبين، وكان الاسم التجاري نفسه ذكيًا؛ حيث استحضر معنى التوازن والاتزان، والرائع أن نجاح المركب، دفع الفريق نحو تعديل بنيته الكيميائية والبحث عن مشتقات أكثر فعالية، ليظهر "الفاليوم" أحد أشهر وأنجح الأدوية النفسية.
وهكذا تحوّل مشروع كاد يُغلق بسبب النتائج السلبية إلى عائلة دوائية كاملة، ساهمت في تغيير نظرة العلم إلى القلق نفسه، فوجود مادة قادرة على تخفيف أعراضه شجع على المزيد من أبحاث دراسة القلق، وبعد سنوات تطورت المعرفة بعمل البنزوديازيبينات، وعلاقتها بمنظومة GABA ومستقبلاتها في الدماغ.
أما "شتيرنباخ"، فاستمرت حياته العلمية عقودًا، وارتبط اسمه بمركبات واكتشافات دوائية، لكن إرثه الحقيقي لم يكن عدد البراءات ولا المبيعات الهائلة للأدوية، بل تلك المادة التي لم تُرمَ! فلو جرى تنظيف ذلك الرف، أو افترض أحدهم أن أربعين تجربة فاشلة تكفي للحكم على التجربة الحادية والأربعين، لربما تأخر اكتشاف مجموعة أدوية البنزوديازيبينات سنوات، وحُرم الكثيرون من علاج قلقهم.

