: آخر تحديث

دور الخدمة الاجتماعية في الأمن الفكري

2
3
2

تغريد إبراهيم الطاسان

حين نتحدث عن الأمن، يتبادر إلى الذهن غالبًا أمن الحدود، ومكافحة الجريمة، وحماية الممتلكات والأرواح، لكن هناك نوعًا آخر من الأمن لا يقل أهمية، بل قد يكون أساسًا لكثير من صور الاستقرار الأخرى، وهو الأمن الفكري.. ذلك الأمن الذي يحمي الإنسان من الانجراف نحو الأفكار المتطرفة، ويحافظ على وعيه وقدرته على التفكير المتزن، ويعزز انتماءه لوطنه ومجتمعه دون أن يلغي حقه في السؤال والحوار والاختلاف.

ومن هنا تبرز أهمية الخدمة الاجتماعية بوصفها إحدى المهن القادرة على المساهمة بفاعلية في تحقيق الأمن الفكري، لأنها لا تتعامل مع الفكر بوصفه قضية منفصلة عن الإنسان، وإنما تنظر إلى الفرد داخل أسرته ومدرسته وجامعته وبيئة عمله ومجتمعه، وتبحث في الظروف والعلاقات والتجارب التي قد تجعله أكثر قدرة على مواجهة الأفكار المنحرفة، أو أكثر قابلية للتأثر بها.

فالأفكار المتطرفة لا تنشأ دائمًا من فراغ، لأنها قد تجد طريقها إلى الإنسان عبر شعوره بالعزلة أو الرفض، أو ضعف الانتماء، أو الأزمات الأسرية والاجتماعية، أو الحاجة الشديدة إلى جماعة تمنحه الشعور بالقيمة والقبول. وقد تستغل الجماعات أو الخطابات المتطرفة هذه الاحتياجات الإنسانية لتقديم إجابات حادة وبسيطة لقضايا معقدة، ثم تحويل الشعور بالغضب أو الإحباط إلى مواقف وسلوكيات أكثر خطورة.

وهنا يأتي دور الأخصائي الاجتماعي في مرحلة مبكرة جدًا، ليس بوصفه ضابطا أمن يراقب الأفكار، وإنما متخصصًا يقرأ المؤشرات الاجتماعية المحيطة بها.

لذلك تعتبر الأسرة.. خط الدفاع الأول، حيث يبدأ الأمن الفكري من الأسرة قبل أن يبدأ من المؤسسات. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تسمح له بالسؤال، وتستمع إليه، وتعلمه كيف يختلف دون أن يكره، وكيف يناقش دون أن يهدم علاقته بالآخر، يكتسب تدريجيًا حصانة فكرية واجتماعية مهمة.

وفي المقابل، قد يؤدي غياب الحوار داخل الأسرة، أو القسوة المفرطة، أو الإهمال، أو ضعف الاحتواء، إلى خلق فجوة يبحث الأبناء عن ملئها خارج المنزل، واليوم لم يعد هذا الخارج صديقًا أو مجموعة محدودة فقط، بل عالمًا رقميًا مفتوحًا يستطيع الوصول إليهم في غرفهم من خلال هواتفهم.

لذلك لا يقتصر دور الخدمة الاجتماعية على التعامل مع الشاب بعد ظهور المشكلة، وإنما يمتد إلى تمكين الأسرة نفسها من خلال تعليم الوالدين مهارات الحوار، وملاحظة التغيرات السلوكية، والتعامل مع المراهقين، وبناء الثقة، ومعرفة متى يكون التغير طبيعيًا ومتى يصبح مؤشرًا يستدعي التدخل المهني.

بعد الأسرة يأتي دور المدرسة والجامعة في بناء العقل لا تلقينه، وهنا نجد للخدمة الاجتماعية كذلك دورا مهما داخل المؤسسات التعليمية. فالمدرسة والجامعة ليستا مكانًا للتحصيل العلمي فقط، وإنما بيئتان لتشكيل الشخصية والانتماء والعلاقات والهوية الاجتماعية.

الأخصائي الاجتماعي المدرسي والجامعي يستطيع رصد حالات العزلة والتنمر والصراعات والانقطاع عن الجماعة والتغيرات المفاجئة في العلاقات والسلوك، وهي مؤشرات لا تعني بالضرورة وجود تطرف فكري، لكنها تستحق الفهم والتعامل معها قبل أن تتحول إلى بيئة خصبة للاستقطاب.

وكما أن الأمن الفكري الحقيقي لا يتحقق بمنع الأسئلة، بل بتعليم الشباب كيف يسألون وكيف يتحققون وكيف يميزون بين الرأي والمعلومة، وبين النقد والتحريض، وبين الاختلاف والكراهية.

لذلك.. أصبح هذا الجانب أكثر إلحاحًا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد الفرد مستهلكًا للمعلومة فقط، بل يعيش وسط خوارزميات قد تكرر أمامه المحتوى الذي يتفق مع ميوله، حتى يعتقد أن العالم كله يفكر بالطريقة نفسها.

ومن هذا المنطلق.. فالوعي الفكري في العصر الرقمي يعتبر أحد أكبر التحديات أمام الأمن الفكري اليوم، لأن الاستقطاب لم يعد بحتاج إلى لقاءات مباشرة أو جماعات مغلقة كما كان في السابق لأن الهاتف المحمول ببساطة أصبح قادراً وحده على فتح أبواب لا حصر لها أمام الطفل والمراهق والشاب.

ومن هنا ينبغي أن تدخل المواطنة الرقمية والوعي الرقمي ضمن برامج الخدمة الاجتماعية الوقائية، بحيث لا نكتفي بتحذير الأبناء من المحتوى الضار، وإنما نعلمهم كيف يتعاملون معه: من أنتج هذه المعلومة؟ ما هدفه؟ هل هناك مصدر موثوق؟ لماذا يحاول هذا المحتوى إثارة غضبي أو خوفي؟ وهل ما أشاهده يمثل الحقيقة كاملة أم جزءًا منها؟

إن تدريب الإنسان على التفكير النقدي لا يحميه فقط من التطرف، وإنما يحميه كذلك من الشائعات والتضليل والاستقطاب والكراهية والاحتيال الفكري بمختلف أشكاله.

ولا ينتهي دور الخدمة الاجتماعية عند الوقاية، ففي الحالات التي وقع فيها الفرد بالفعل تحت تأثير أفكار متطرفة أو عاد من تجربة فكرية منحرفة، تصبح إعادة التأهيل والاندماج الاجتماعي جزءًا بالغ الأهمية ليضاف إلى دور الخدمة الاجتماعية من الوقاية إلى إعادة الاندماج.

فالتراجع عن الفكرة وحده قد لا يكون كافيًا إذا عاد الشخص إلى البيئة والمشكلات والفراغ والعزلة نفسها التي أسهمت في استقطابه سابقًا، ولذلك تحتاج إعادة التأهيل إلى معالجة متكاملة تشمل العلاقات الأسرية، والتعليم والعمل، والمهارات الاجتماعية، وبناء شبكة دعم صحية، واستعادة الشعور بالقيمة والانتماء.

وهنا تعمل الخدمة الاجتماعية إلى جانب التخصصات النفسية والتربوية والشرعية والأمنية وغيرها، ضمن مفهوم التكامل المهني، لأن قضية بهذا التعقيد لا يمكن أن يحملها تخصص واحد.

وحتى لا يكون هناك لبس، فمن المهم جدا التوضيح أن الأمن الفكري ليس إلغاءً للاختلاف، وأنه يجب علينا ألا نخلط بين الأمن الفكري وبين صناعة مجتمع يفكر بطريقة واحدة، فالمجتمع الآمن فكريًا ليس المجتمع الذي يخلو من الأسئلة والاختلافات، وإنما المجتمع الذي يمتلك أفراده القدرة على إدارة اختلافاتهم دون أن تتحول إلى كراهية أو عنف أو تهديد للآخر.

إن تعزيز الانتماء الوطني، وقبول التنوع الاجتماعي، وترسيخ المسؤولية، واحترام النظام، وبناء مهارات الحوار، كلها مجالات تقع في صميم العمل الاجتماعي الوقائي.

وفي المملكة، ومع التحولات الاجتماعية والتنموية الكبيرة التي تشهدها رؤية السعودية 2030، تصبح الحاجة أكبر إلى تعزيز دور الإنسان الواعي والقادر على المشاركة في التنمية والتعامل مع التغيير بثقة واتزان، فالأمن الفكري والتنمية ليسا مسارين منفصلين، بل إن المجتمع المستقر فكريًا واجتماعيًا أكثر قدرة على البناء والإبداع والمشاركة.

وأخيرًا..

الأوطان لا تحميها قوة حدودها وحدها، بل يحميها بعد الله أيضًا وعي الإنسان داخل هذه الحدود.

وإذا أردنا أمنًا فكريًا مستدامًا، فعلينا ألا نبدأ من الفكرة المتطرفة بعد ولادتها، بل من الإنسان والبيئة الاجتماعية التي قد تسمح بولادتها.

وهنا تحديدًا... تبدأ مسؤولية الخدمة الاجتماعية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد