لم يبقَ من مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية، التي تنتهي مهلتها في 18 أغسطس (آب) المقبل، سوى شعرة معاوية، إذا جازت استعارة هذه المعادلة من دبلوماسية الخلافة الأموية. وتتمثل هذه الشعرة اليوم في المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، التي يحرص الوسطاء على إبقائها قائمة، رغم تضاؤل فرص إحيائها أو نجاحها.
وقبل انتهاء مهلة الستين يوماً التي مُنحت للمذكرة للوصول إلى اتفاق شامل، كان الطرفان قد أعلنا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فشلها، لكنهما تجنبا إعلاناً مشتركاً عن تخليهما عنها. فخطورة هذه المذكرة المثيرة للجدل ليست في صعوبة تفسيرها أو استحالة تطبيقها، بل في العجز عن إعلان وفاتها، لأن البديل بات واضحاً: العودة إلى المواجهة المفتوحة. وهو خيار يثير قلق الجميع، حتى الولايات المتحدة التي تمتلك القدرة على فرضه، لكنها لا تبدو مستعدة لتحمل كلفته الاستراتيجية وتداعياته الإقليمية.
دخلت واشنطن، ومعها حليفتها الوحيدة في المنطقة، إسرائيل، الحرب على طهران وهي تراهن على اليوم التالي أكثر مما راهنت على الحرب نفسها. لكنها سرعان ما تراجعت عن كثير من المواقف التي أعلنتها مع انطلاق العمليات العسكرية، لتجد نفسها أسيرة عامل الوقت، بين استعجال تحقيق النتائج وحصد المكاسب. في المقابل، راهنت إيران على استهلاك الوقت وتأخير ظهور النتائج، ريثما تستوعب الصدمة وتعيد ترتيب أوراقها، وهو ما وفّرته لها مذكرة التفاهم، ولو بصورة مؤقتة.
مأزق طهران أنها بالغت في تقدير ما حققته من نتائج، وسعت إلى تحويل بنود المذكرة إلى مكاسب، والأخطر أنها أعادت قراءة واشنطن بعقلية تقليدية، تماماً كما قرأت تل أبيب بالطريقة نفسها، فجاءت حساباتها سلبية. فإسرائيل تخوض حرباً متواصلة منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فيما تبدو إدارة البيت الأبيض اليوم أكثر تحرراً من الضغوط الداخلية والخارجية في إدارتها للمواجهة معها.
وعندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الاتفاق المرحلي أصبح منتهياً، وردّت طهران بأنها لم تطلب أصلاً استئناف المفاوضات، بدا واضحاً أن العودة إلى المسار السلمي أصبحت أكثر تعقيداً. ولم يعد بالإمكان إحياء مذكرة التفاهم إلا عبر تعديل جذري في بنودها، ووضع تفسير واضح وملزم لها، وهو أمر يبدو بعيد المنال في الظروف الراهنة. لذلك، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة تحمل مخاطر استراتيجية كبرى قد تعيد رسم توازناتها من جديد.
وبين حذر الوسطاء، لا سيما الباكستانيين الذين لم يتخلوا عن مهمتهم، ودعم دول الجوار لمساعيهم، يقف طرفا النزاع عند أبعد نقطة ممكنة على طاولة التفاوض، فيما تبدو ساحات المواجهة هي الميدان الحقيقي لإدارة الصراع.
فمن مضيق هرمز إلى باب المندب، تلوّح طهران بحرب الممرات، وبإمكانية تعطيل الاقتصاد العالمي عبر الحوثيين، واستخدام الأراضي العراقية للضغط على دول الجوار، وإعادة ربط المسار اللبناني بمسارها عبر المواجهة. وهي تتمسك بكل أوراقها لأنها تعتبر أن هذه المعركة سترسم مستقبل النظام الإيراني نفسه.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة مقتنعة بأن حسم المواجهة لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها موازين القوة التي تمتلكها، كما تفرضها المصالح الإقليمية الجديدة التي أصبحت تتحكم بمعادلات السلم والحرب في الشرق الأوسط.
لقد أثبت فشل مذكرة التفاهم أن الحروب الكبرى لا تتوقف قبل أن تصل إلى لحظة الحسم. كما أثبت أن معادلة «رابح – رابح» لم تعد قابلة للحياة في هذا الصراع، وأن المنطقة تتجه، على الأرجح، إلى معادلة أكثر قسوة، تقوم على رابح واضح وخاسر أوضح. وفي ظل سوء التقدير الأميركي من جهة، والمبالغة الإيرانية في الثقة بالنفس من جهة أخرى، يصبح خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع احتمالاً حقيقياً.

