عبد الله سليمان الطليان
من السهل أن يدرك الإنسان ألم الجسد؛ فالجرح تراه العين، والكسر تكشفه الأشعة، والمرض تظهر آثاره على الملامح والحركة. أما الألم النفسي فلا لون له ولا صورة، وقد يمر بصاحبه بين الناس وهو يبتسم، بينما يحمل في داخله جرحًا لا يراه أحد.
ولعل هذا هو السر الذي جعل الأدباء يكثرون من استعمال عبارة «الجرح الغائر». فهي ليست وصفًا لجرح أصاب الجلد، وإنما تصوير لجرح استقر في أعماق النفس حتى أصبح جزءًا من حياة صاحبه. فالجرح قد يكون في الجسد، لكنه قد يكون أيضًا في الذكرى، أو في الفقد، أو في الخذلان، أو في كلمة لم تغادر الذاكرة رغم مرور السنين.
وهنا يفرض سؤال نفسه: إذا كان الجرح النفسي لا يُرى، فلماذا يترك أثرًا ظاهرًا على الجسد؟ ولماذا خلق الله هذه العلاقة العجيبة بين النفس والبدن؟
إن المتأمل في القرآن الكريم يلحظ أن الإنسان لم يُخلق أجزاءً متفرقة، وإنما خلقه الله كيانًا واحدًا؛ فلا الجسد يعيش بمعزل عن النفس، ولا النفس تنفصل عن الجسد. ولو شاء الله لجعل لكل منهما عالمًا مستقلًا، فلا يتأثر أحدهما بالآخر، لكنه سبحانه لم يخلق الإنسان على هذه الصورة، لأن الابتلاء الذي أراده للإنسان ليس ابتلاء عضو من أعضائه، وإنما ابتلاء الإنسان كله.
ولو كان الألم الجسدي لا يتجاوز الجسد، أو كان الحزن يبقى حبيس النفس، لفقد الابتلاء كثيرًا من معناه. ولكن حكمة الله اقتضت أن يشعر الإنسان بوحدته الداخلية؛ فإذا فرح اطمأن جسده، وإذا حزن شاركه الجسد بعض ما يحمل، حتى يدرك ضعفه، ويعرف حاجته إلى ربه، فلا يغتر بقوته، ولا يظن أنه قادر على الاستغناء عن خالقه.
ولعل أبلغ شاهد على هذه الحقيقة ما قصه القرآن عن يعقوب عليه السلام بعد فراق يوسف، قال تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}.
هذه الآية ليست مجرد وصف لحزن أبٍ فقد ابنه، وإنما هي كشف لطبيعة الإنسان. فالقرآن لم يقل: وابيضت عيناه من المرض، وإنما قال: {مِنَ الْحُزْنِ}. وكأن الحزن لم يبق إحساسًا داخليًا، بل خرج من أعماق النفس حتى كتب أثره على الجسد.
وهنا يقف العقل متأملًا؛ فلو كان الجسد آلة مستقلة، لما تأثر بما تشعر به النفس، ولو كانت النفس معزولة عن البدن، لما انعكس ما فيها على العينين. لكن الله أراد للإنسان أن يبقى وحدة واحدة، حتى لا يستطيع أن يهمل قلبه وهو يعتني بجسده، ولا يهمل جسده بحجة صلاح قلبه.
ومن هنا يتبين أن الجرح الغائر ليس هو الذي ينفذ إلى اللحم، وإنما الذي ينفذ إلى النفس. فكم من جرح في الجسد التأم مع الأيام، وبقي صاحبه يذكره بابتسامة، وكم من جرح في النفس مضت عليه أعوام طويلة، وما زال يغير طريقة صاحبه في التفكير، وفي الثقة، وفي التعامل مع الحياة.
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن الناس يواسون صاحب الجرح الظاهر، أما الجرح الخفي فلا يلتفت إليه كثيرون؛ لأنه لا يُرى. وربما لهذا السبب كان بعض الناس يحملون في داخلهم آلامًا أثقل من أن تصفها الكلمات، بينما يظن من حولهم أنهم بخير.
وليس معنى ذلك أن الحزن ضعف، فالأنبياء أنفسهم عرفوا الحزن. لكنهم علموا الناس أن الحزن لا ينبغي أن يقطع الصلة بالله. ولهذا قال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ}.
إنها ليست شكوى اعتراض، وإنما شكوى افتقار؛ فالإنسان حين يعجز عن حمل ما في نفسه، يجد في مناجاة ربه قوة لا يجدها في شيء آخر.
وجاءت السنة النبوية لتؤكد أن آلام النفس وآلام الجسد ليست متعارضة، بل يجمعها معنى الابتلاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه».
فتأمل كيف جمع الحديث بين الهم والحزن، وهما من آلام النفس، وبين النصب والوصب والأذى، وهي من آلام الجسد، ليقرر أن الإنسان يبتلى بكليهما، وأن كليهما داخل في ميزان الأجر إذا صبر واحتسب.
ويبقى السؤال الأخير: لماذا خلق الله هذا الترابط بين النفس والجسد؟
لأن الإنسان لم يُخلق ليعيش حياة آلية، وإنما خُلق ليُبتلى، وليتزكى، وليعرف نفسه. فلو لم يشعر الجسد بآلام النفس، لما أدرك الإنسان حقيقة ضعفه، ولو لم تتأثر النفس بآلام الجسد، لفقدت الرحمة معناها، ولما عرف الإنسان قيمة العافية.
إن هذا الترابط ليس عبثًا، بل هو من تمام الحكمة الإلهية؛ لأن الابتلاء لا يراد به تعذيب الإنسان، وإنما تهذيبه، وإعادته إلى ربه، وتذكيره بأنه مهما بلغ من قوة، فإنه يبقى مخلوقًا ضعيفًا، يحتاج في كل لحظة إلى رحمة الله.
ولعل الجرح الغائر ليس أخطر ما يصيب الإنسان، وإنما الأخطر أن يبقى هذا الجرح بعيدًا عن نور الإيمان، فلا يجد ما يداويه. أما إذا امتلأ القلب يقينًا بالله، فإن الجراح لا تختفي، لكنها تتحول من سببٍ للانكسار إلى طريقٍ للصبر، ومن مصدرٍ للألم إلى بابٍ للأجر والرجاء وهكذا يعلمنا القرآن أن الإنسان لا يتألم بجسده وحده، ولا بنفسه وحدها، وإنما يتألم بهما معًا، لأن الله خلقه وحدةً واحدة، وجعل في هذا الترابط آيةً من آيات حكمته، ودليلًا على أن ما يصيب جزءًا من الإنسان، لا يلبث أن يبلغ الإنسان كله.

