سارة النومس
نسمع هذه الجملة كثيراً عندما تتحدث إحدى النساء عن تجربة سيئة، فتُعلّق إحداهن بأن جميع الرجال خائنون، لقد عمّمت الحكم على الجميع؛ لتُخفّف عن صديقتها، وكأنها تقول لها إن الخطأ منه وحده، والدليل... أنها أدانت الجميع.
أعتقد أن الحرب الدائرة بين الرجل والمرأة، حتى يومنا هذا، هي أشرس حرب في التاريخ. وبعيداً عن المزاح الذي يتداوله الناس حول هذا الموضوع، فقد أدّت هذه الحرب أحياناً إلى فقدان أحد الطرفين لصوابه، بل إن جرائم قتل عديدة ارتُكبت بسببها. ووصل الأمر في بعض الحالات إلى أن يتخلّى أحد الوالدين عن أسمى مشاعر الأبوة أو الأمومة، فيقتل أبناءه انتقاماً من شريك حياته.
حتى اليوم، تحظى الحسابات التي تتحدث عن الاستحقاق والمساواة والتفوق على الشريك برواج كبير بين الناس، وخصوصاً لدى الجمهور العاطفي من النساء. وفي إحدى المرات، بينما كنت أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، صادفت مقارنة بين امرأة عادية وامرأة ذكية، فسخرت قائلة: قولوا ذكية وغبية وانتهى الأمر. كانت الرسائل الموجهة للنساء في غاية السطحية، ولا أعتقد أن من كتبتها تحمل أي مؤهل علمي متخصص في هذا المجال.
إحدى مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي كانت تتعلّم السحر وتروّج لمفاهيمه عبر حساباتها، إلى أن وقع خلاف بينها وبين زوجها انتهى بالطلاق. بعدها بدأت بعرض حياتها الشخصية وتجربتها الخاصة، فكسبت تعاطف كثير من النساء، حتى انتهى بها الأمر إلى تقديم دورات للنساء حول كيفية التعامل مع المشكلات الزوجية... بمقابل مادي طبعاً.
مفهوم الاستحقاق جميل في أصله؛ فهو يعني أن الإنسان يستحق الشيء ويطالب بما له فيه حق أو جدارة. أي إن الشخص يمتلك صفات أو مؤهلات تجعله أهلاً لهذا الأمر. موظف متميز يستحق الترقية، وطالب مجتهد ينال درجات عالية. والإنسان الذي يشعر بالإحباط في بيئة العمل ننصحه برفع شعوره بالاستحقاق، أي بالبحث عن نقاط قوته والعمل على تطويرها وتعزيز ثقته بنفسه. فكل إنسان في هذا العالم يستحق أن يؤمن بنفسه.
أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- زوجة النبي محمد -ﷺ، استحقت الحب والاحترام وتعظيم زوجها؛ لمكانتها في حياته، لما قدّمته من وفاءٍ ودعمٍ ومساندة، ولحبها الصادق واجتهادها في رعاية أسرتها. وعلى النقيض، فإن زوجة نبي الله، لوط -عليه السلام- استحقت العذاب لخيانتها عهد زوجها، وإظهار تعاطفها مع قومها، بدلاً من الوقوف إلى جانب نبي الله لوط -عليه السلام.
ولكن من الذي يحدد ما نستحقه؟ هل نحن أنفسنا؟ أم الناس؟ هذا السؤال قد يأخذنا إلى أعماق النفس البشرية. فلو جلسنا في غرفة مظلمة، وخاطبنا أنفسنا بكل صدق، بعيداً عن جلد الذات أو التهوين من الأخطاء، لوجدنا أننا نعرف الحقيقة في داخلنا. ربما لم نحصل على شيء تمنيناه لأننا لم نبذل الجهد الكافي من أجله، أو لأننا لم نحاول أصلاً. فالحياة، في نهاية المطاف، أخذٌ وعطاء.
لكن هناك من يرفض مواجهة نفسه الحقيقية؛ لأنه يخشى رؤية صورته كما هي، فيلجأ إلى منصات التواصل الاجتماعي التي لا نعرف من يقف خلفها، أو إلى أشخاص فاشلين وحاسدين يسعون إلى نشر إحباطهم بين الناس بأساليب ملتوية وغريبة.
وقد ذكرنا سابقاً عن تلك المذيعة العربية التي كانت تجعل من برامجها متنفّساً لتصبّ غضبها على الرجال، فتُبرز عيوبهم أمام النساء، وتشجعهن على التمرّد عليهم، ورفع سقف الاستحقاق وفق مفهومها الخاص. وفي النهاية تزوجت، وابتعدت عن الشاشة، وأدارت ظهرها لكل امرأة كانت تستمع إليها وتقول: «والله إنها صادقة».
عزيزتي! في مرحلة المراهقة، كنا -كفتيات طبيعيات- نتحدث عن الشبان. وعندما كبرنا، كبرت معنا أحلام الزواج والإنجاب وبناء البيت المستقر والسعيد، تذكّري كل أرملة فقدت ألوان الحياة بعد رحيل شريك عمرها، وهناك كثير من الرجال والنساء الذين تجاوزوا الخمسين من أعمارهم، وكانت لهم تجارب زواج انتهت بالطلاق، أصبحوا ينظرون إلى الماضي بنظرة مختلفة، فقد أدركوا أن العلاقة كانت بحاجة إلى مزيد من النضج والصبر والحكمة، وأنهم لو عاد بهم الزمن لمنحوا أنفسهم فرصة أخرى لإنجاحها بدلاً من إنهائها.
فكّري في الأمر جيداً.

