: آخر تحديث

ثيودور ديفيس وعلم المصريات

3
3
3

في شتاء عام 1889 - 1890، قرر المحامي الأميركي الثري قضاء الشتاء في مصر. وعلى الرغم من تحذيرات الأصدقاء بطول وخطورة الرحلة وكثرة النفقات، وهو مال كثير كان يتيح له زيارة مدن أوروبية أقرب وأقل خطورة من الذهاب إلى أفريقيا. ولكن كان الرجل عنيداً ومغامراً في الوقت نفسه، وبالتالي حزم أمتعته وسافر إلى مصر لتتغير حياته كلها بعد رحلة نيلية ساحرة في أجواء شتوية دافئة بين مياه النهر وصمت الصحراء. واليوم يُعد ثيودور ديفيس (1838 - 1915) واحداً من أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ التنقيب في مصر، بخاصة في وادي الملوك بالأقصر. لم يكن عالم آثار بالمعنى الأكاديمي الحديث؛ لكنه نجح في توفير الدعم المادي لبعثات أثرية استطاعت تحقيق اكتشافات أثرية مذهلة جعلت اسمه يحتل موقعاً مهماً في تاريخ علم المصريات بوصفه راعياً لبعثات الحفائر، وذلك قبل اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون. قرر ديفيس أن يموِّل أشهر علماء المصريات في ذلك الوقت، وكان يعطي المال فقط للبعثات العلمية. وفي عام 1902 حصل على امتياز التنقيب في وادي الملوك من مصلحة الآثار المصرية، وهو الامتياز الذي منحه حق تمويل البحث والتنقيب ضمن الشروط التي تضعها مصلحة الآثار المصرية في ذلك الوقت.

كان نجاح ديفيس قائماً بدرجة كبيرة على العلماء والفنيين الذين عملوا تحت رعايته. من بينهم هوارد كارتر، الذي أشرف في سنواته الأولى على بعض أعمال ديفيس قبل أن يكتشف لاحقاً مقبرة توت عنخ آمون لصالح اللورد كارنارفون. كما عمل معه إدوارد أيرتون، وجيمس كويبل، وهاري برتون، وآخرون من الخبراء في الحفريات والتصوير والتوثيق. ولذلك ينبغي النظر إلى إنجازات «بعثة ديفيس» بوصفها عملاً جماعياً، جمع فيه تمويله الخاص مع الخبرة العلمية لعدد من المتخصصين.

وفي فبراير (شباط) عام 1905، أثمرت حفائره في وادي الملوك بقيادة جيمس كويبل عن اكتشاف مقبرة يويا وتويا، وهما والدا الملكة العظيمة تي زوجة أمنحوتب الثالث. والمقبرة معروفة برقم KV46، وهي من أهم المقابر الخاصة التي عثر عليها سليمة إلى حد كبير. وقدمت معلومات ثمينة عن أسرة الملكة تي وعصر الأسرة الثامنة عشرة. كما ارتبطت بعثته باكتشاف KV55، وهي مقبرة من عصر العمارنة ظلت موضوعاً للنقاش العلمي الطويل بسبب لغز هوية صاحبها، والذي تم إثبات أنه الملك أخناتون. كذلك كشف ديفيس عن مقبرة الملك حورمحب KV57، وعن KV54، وهي خبيئة تحتوي على مواد التحنيط المرتبطة بتحنيط مومياء توت عنخ آمون. لم تكن هذه الاكتشافات مجرد كنوز فنية، بل أدلة ساعدت علماء المصريات على فهم العلاقات السياسية والدينية والأسرية في عصر الأسرة الثامنة عشرة.

لقد أسهم ديفيس من دون قصد في تهيئة الطريق للاكتشاف الأشهر في تاريخ العالم؛ وهو الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون. فعثوره على قطع أثرية تحمل اسم الملك الشاب، وعلى مخلفات مرتبطة بجنازته وتحنيطه، أكد أن لتوت عنخ آمون صلة بوادي الملوك. لكن ديفيس ارتكب خطأً واحداً فقط عندما اعتقد أن وادي الملوك قد أخرج كل أسراره، وأن الوادي لم يعد يخفي شيئاً، ولذلك تنازل عن امتياز الحفر في الوادي عام 1913. اكتشف كارتر مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، بعد سنوات قليلة من انتهاء امتياز ديفيس.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد