سهوب بغدادي
قال الله في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
قد يأتي معنى التعارف في الآية الكريمة في سياق النسب والمصاهرة أو المناصرة والأخوة والتعاون، حيث تأتي الأفضلية من ناحية تقوى الله ومخافته، وذلك ما ينص عليه القرآن الكريم.
في عصرنا الحديث، والتغيرات السريعة التي نشهدها وانفتاح العالم على بعضه البعض بسبب الفورة الرقمية ومجالات جوهرية كالاقتصاد وما يصب فيه من إطارات عديدة كالثقافة والسياحة والتعليم، نجد أن فكرة الزواج من جنسية مختلفة لم تعد إشكاليةً أو معضلةً كبرى إذ خَفت وهج تجنبها بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية لأسباب متراكبة عديدة، من أهمها ثقة المرأة بنفسها وحقوقها ودعمها بشكل حثيث وغير منقطع من قبل القيادة الحكيمة - أيدها الله - لذا نرى أخبارًا تتكرر من نفس السياق، فلانة تزوجت من جنسية أخرى قد تكون عربية أو آسيوية أو حتى أوروبية، والعكس ينطبق على الرجل بالتأكيد، فيما نقرأ التهاني التي تزف إلى العروسين نجد أن هناك شطراً من المجتمع لايزال متخوفًا من تداعيات الموضوع، قد تكون جملة مخاوفهم مستقبلية لا حالية، كضياع الموروث والثقافة أو الأسوأ الدين، وتلك مخاوف في محلها ولا غبار عليها، فلقد عرفت المملكة بلاد الحرمين الشريفين بتعليم الدين وعلومه والقرآن منذ نعومة أظفار الإنسان، فضلًا عن تحلي المجتمع السعودي بالقيم الأصيلة المتوارثة منذ القدم كالشجاعة والكرم وحسن الضيافة وفعل الخير وغيرها من الخصال الطيبة، فما يخشاه الفرد جميعنا نخشاه إلا أن هناك جانبًا آخر، ألا وهو تأخر سن الزواج عالميًا وليس محليًا فقط، وفي ذلك إحصائيات ودراسات محكمة تعلل ذلك الموضع، مما يستدعي في بعض الأحيان أن «توافق» المرأة وأشدد على مصطلح «توافق» وليس أن تختار زوجًا، لنحلل الأمر سويًا، المرأة خلال سنوات عمرها المتاحة للزواج افتراضًا للغالبية من 23 عامًا أي بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية، قد يتقدم لخطبتها اثنين أو ثلاثة أشخاص ربما أقل أو أكثر بحسب بيئة الفتاة وعائلتها ومقومات أخرى، وتستمر الفتاة في تلقي عروض الزواج حتى سن 40 تقريبًا، إلا أن ذلك المعدل يقل مع مرور السنين وتقدم عمر الفتاة - وفي ذلك إحصائيات كذلك - قد توافق على الأفضل من بينهم وذلك ما نتمناه جميعًا لها، ولكن ماذا لو تقدم بها العمر ولم تكن الخيارات المتاحة والحالية مناسبة؟ لذا قد تلجأ بعض الفتيات والشباب إلى توسيع دائرة الخيارات المتاحة بتوسيع دائرة المحيط والبقعة الجغرافية، فلكل شخص ظروف وأسباب قد تكون وجيهة أو عابرة كالاهتمام ورعاية الوالدين أو الإخوة الأصغر سنًا أو التعافي من مرض عضوي أو نفسي - حمانا الله وإياكم - أو العودة من الخارج بسبب دراة أو عمل وتتعدد الأسباب، فالخوف من تداعيات الزواج من بلد مختلف تختلف بحسب البلد والسياق الاجتماعي والقانوني والتشريعي والديني لذلك البلد، فعلى من يُقدم على هذه الخطوة أن يدرس الموضوع دراسةً شاملةً ليستوفي معرفته بجميع الإطارات التي تؤثر وستؤثر تباعًا على حياته وحياة أطفاله مستقبلًا، بالتأكيد إن قرار الزواج بحد ذاته يتطلب الدراسة فما بالك بالزواج من الخارج، لما فيه من نواحٍ عديدة غير مألوفة أو معروفة كالثقافة والعرف السائد في البلد ومدى تطبيق الدين في إطارات الحياة.
في ختام القول، كل شيء مقدر من الله ونصيب يصيب الشخص، فقط علينا الاستخارة والاستشارة والتعقل والتوكل على الخالق والدعاء بأن يجعل حياتنا طيبة وأن نترك الأثر الطيب.

