هناك إنجازات تموت قبل أن تولد.. لأن أصحابها تحدثوا عنها مبكرًا، واحتفوا بها قبل أن تكتمل، وعاشوا تفاصيل نجاحها في خيالهم، وتخيلوا عبارات الإشادة، والتصفيق، والانتشار، والتفاعل، وبدا لهم وكأنهم أنجزوا فعلًا.. وقد اختفت مشروعات كثيرة قبل أن ترى النور، فقط لأن أصحابها للأسف استهلكوا أجمل لحظاتها قبل أن تحدث.
القصة أن تقريرًا نشرته صحيفة The Independent، وترجمه الأستاذ عبدالله الخريف، يرصد التحول الذي شهدته منصة (لينكدإن)، التي أُنشئت لتبادل الخبرات المهنية وبناء العلاقات والفرص الوظيفية، وقد أصبحت تعج بالقصص الشخصية والاستعراض والتنظير الفارغ، إذ يعتقد كثير من المستخدمين أن هذا النوع من المحتوى يحقق انتشارًا أكبر وتفاعلًا أوسع.. وهنا المشكلة ليست في مشاركة التجارب، وإنما في أن التفاعل في المنصات أصبح يكافئ إعلان الطموحات أكثر مما يكافئ إنجازها، حتى اعتاد بعض الناس نشر النوايا أكثر من نشر النتائج.
من أخطر ما صنعته وسائل التواصل الاجتماعي أنها منحت كثيرين إحساسًا بالإنجاز قبل أن ينجزوا شيئًا؛ إذ يكفي أن يعلن أحدهم عن كتاب ينوي تأليفه، أو مشروع يستعد لإطلاقه، أو منصب يترشح له، أو هدف يسعى إليه، لتنهال عليه عبارات التشجيع والإعجاب، ويحصل على مكافأة نفسية مبكرة، وكأنه تجاوز أصعب مراحل الطريق، بينما هو في الحقيقة لم يغادر نقطة البداية بعد.. وتدعم هذا المعنى دراسة أجراها عالم النفس الألماني بيتر غولوفيتسر (2009)، خلصت إلى أن الإعلان المبكر عن الأهداف قد يضعف دافع بعض الأشخاص إلى إنجازها، لأن الاعتراف الاجتماعي يمنحهم شعورًا مبكرًا بالاقتراب من الهدف قبل تحقيقه فعليًا.. وقبل ذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان).
وهذه الظاهرة ليست حكرًا على منصات التواصل الاجتماعي؛ فكم من مشروع سمعنا عنه في مجلس ثم اختفى، وكم من شركة وُزعت فيها الأدوار قبل أن تولد على أرض الواقع.. ولا أحد يطالب بإخفاء النجاح أو الخطط، لكن بين الطموح والإنجاز مسافة تحتاج إلى الاستيقاظ من أحلام اليقظة.. فالناس لا تتذكر إلا ما أنجزته فعلًا، والتاريخ لا يتذكر إلا من أكمل الطريق حتى النهاية؛ لذلك: أنجز.. ثم تحدث.

