: آخر تحديث

يهود الشتات ومواقف المسلمين والأوروبيين منهم

2
2
1

يقول «أمين معلوف»، القاص والمفكر اللبناني الأصل، عضو «مجمع الخالدين»، الفرنسي، في كتابه البحثي: «الهويات القاتلة»: «لو كان أجدادي مسلمين في بلد فتحته الجيوش المسيحية، بدلا من كونهم مسيحيين في بلد فتحته الجيوش المسلمة، لا أظن أنهم كانوا استطاعوا الاستمرار في العيش لمدة 14 قرنا، في مدنهم وقراهم، محتفظين بعقيدتهم».

* * *

جملة دقيقة تلخص جوانب عدة من التاريخ، وتخالف سابق أفكار ومعتقدات الكثيرين، والفكر السائد عن نوعية علاقة العرب المسلمين، منذ أيام الدولة الأموية، وحتى اليوم، بأصحاب الديانات الأخرى، وخصوصا المسيحيين واليهود، دون التوقف عند بعض ما ورد في النصوص والمراجع الدينية، على مدى 1300 عام.

* * *

هناك اعتقاد، أو فهم خاطئ وشائع عن حال ووضع اليهود تحت الحكم الإسلامي، مرورا بفترة حكم العرب للأندلس، و فترة الخلافة العباسية، ثم الفاطمية، وما بينها من دول وممالك، وصولا للدولة العثمانية، وانهيارها، وتفرق «ممتلكاتها»، وانتهاء الحقبة الاستعمارية الإنكليزية الفرنسية للمنطقة، والاستقلال، وصولا لتأسيس إسرائيل عام 1948، وما بعدها ببضع سنوات، حيث عاش اليهود، بشكل عام، أفضل سنواتهم، مع العرب والمسلمين، من بعد فترة الخلفاء الأربعة. مقابل ذلك عاشوا أسوأ سنواتهم، بشكل عام، في القارة الأوروبية. ولولا ذلك الكره الأوروبي الشديد لهم لما فكر فرد أو جهة في إيجاد دولة يهودية مستقلة لهم. فقد عاش اليهود كأقلية، في عشرات الدول، طوال تاريخهم، وكان ذلك مناسبا لهم، لما بينهم من فوارق واختلافات دينية واجتماعية وسياسية حادة.

كانت الأندلس من أبرز الأمثلة على ما يُعرف بـ«العصر الذهبي» لليهود في ظل الحكم الإسلامي، خصوصاً في القرنين الـ10 والـ11 الميلاديين، تحت حكم الخلافة الأموية في قرطبة، حيث تقلدوا أرفع المناصب، وكان منهم وزراء، وأطباء وشعراء وفلاسفة، أشهرهم، شبروط، طبيب ووزير في بلاط عبدالرحمن الثالث. والفيلسوف موسى بن ميمون، أعظم فلاسفة اللاهوت اليهود في التاريخ، وتبع ذلك تعرضهم والمسيحيين، للاضطهاد في القرن الـ12، ثم انتصار الكاثوليك على الحكم العربي الإسلامي، مع سقوط غرناطة عام 1492، وهروب أو طرد اليهود والمسلمين، من اسبانيا، خاصة الذين رفضوا تغيير ملتهم، لشمال أفريقيا والدولة العثمانية وأوروبا، وعُرف هؤلا اليهود بـ«السفارديم».

عاش اليهود تحت الحكم الإسلامي عموماً كـ«أهل ذمة»، أي أقلية دينية محمية مقابل دفع ضريبة الجزية والالتزام بقيود اجتماعية معينة، منها ضرورة ارتدا ملابس معينة تفرقهم عن الآخرين، مع فرض قيود على بناء دور العبادة، وغيرها. وفّر هذا النظام حماية نسبية واستقراراً لليهود مقارنة بوضعهم في أوروبا في فترات معينة، بالرغم من أنه لم يبلغ يوما المساواة الكاملة، فقد تفاوتت شدة القيود حسب الدولة والعصر والحاكم، لكن كانت لهم حظوة في بعض فترات الدولة العثمانية. كما تكونت في المغرب جاليات يهودية قديمة ومزدهرة نسبياً، رغم فترات تمييز واضطهاد متقطعة. أما في اليمن والعراق ومصر، فقد عاشت جاليات يهودية منذ القدم، وبآلاف السنين قبل الإسلام أصلاً.

أما وضع اليهود في أوروبا المسيحية عموماً فقد كان أكثر قسوة وتقلباً، فقد طردوا من إنكلترا عام 1290، ومن فرنسا عدة مرات، ومن اسبانيا عام 1492، ومن البرتغال 1497، وعاشوا في غيتوات مغلقة، بدءاً من القرن الـ16، يمنع عليهم مغادرتها بعد ساعة معينة. وذاقوا الأمرين خلال فترة محاكم التفتيش، وتعرضوا لمجازر متكررة نتيجة اتهامات بأنهم يخطفون أطفال المسيحيين ويشربون دماءهم.

بعد عصر التنوير والثورة الفرنسية، بدأت موجة التحرر (Emancipation) في القرنين الـ18 والـ19، حيث مُنح اليهود حقوق المواطنة الكاملة في غالبية أوروبا الغربية. أما وضع اليهود في الإمبراطورية الروسية فقد كان الأصعب في أوروبا، حيث كانوا يمنعون من العيش في مناطق جغرافية محددة، وتعرضوا لموجات عنف جماعي متكررة، خاصة في الفترة 1881–1884 وبعد اغتيال القيصر ألكسندر الثاني، ثم موجة أعنف بين 1903 و1906، نتجت عنها هجرة الملايين منهم إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.

ثم جاءت فترة محرقة الهولوكوست، على يد النازيين الألمان، وهو الحدث الأكثر تدميراً في تاريخ اليهود الحديث. ومع نهاية الحرب الثانية، وتأسيس إسرائيل، 1948، بدأت هجرة يهود الدول العربية لها من العراق ومصر واليمن والمغرب وسوريا وليبيا، إما بسبب الضغوط والقيود المتزايدة عليهم في بلدانهم، أو الهجرة الطوعية إلى إسرائيل، بحسب الحالة والبلد، وهذا موضوع مقال قادم.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد