ما هو سرّ نجيب محفوظ؟ كان لأديبنا الكبير طقوسه اليومية، يخرج في الصباح مترجلاً من منزله في حي العجوزة بالقاهرة، يمشي إلى مقر جريدة الأهرام، وفي الطريق يشتري الجرائد، وكل من يقابله بابتسامة يرد عليه بأحسن منها، وكل من يصبِّح عليه بـ«نكتة» أو «قفشة»، تجده على الفور حاضر البديهة يرد بواحدة أكثر مشاغبة.
المشوار يستغرق نحو 40 دقيقة، هل هناك مثلاً من اعتقد أن سر نبوغ نجيب محفوظ في الأدب وحصوله على «نوبل» عام 1988 يكمن في تلك الرحلة اليومية؟
لا أستبعد، أحياناً نحاول أن نعثر على أسباب مباشرة لكل شيء يمر في حياتنا، رغم أن الكثير من أسباب النجاح يظل خافياً، ما نراه عادة هو فقط رأس جبل الجليد، إلا أننا نعتقد أننا نرى الجبل كاملاً.
سألوا مرة الموسيقار هاني شنودة الذي فقدناه قبل نحو أسبوع، بعد أن قدَّم للساحة الغنائية في توقيت متقارب كلاً من محمد منير وعمرو دياب؟ سألوه عن السر وراء نجاح كل منهما، جاءت إجابته: «أعرف سر محمد منير، لأنه جاء للحياة الفنية محملاً بعبق أهالي النوبة الكرام، وبكل المفردات الموسيقية والجمالية التي تفيض بها الطبيعة هناك، فهم يمتلكون نبضاً مختلفاً في المفردات وأسلوب الأداء، لم يألفه المستمع العربي من قبل، سبقت محاولة منير للوجود محاولات مماثلة مع أصوات أخرى جاءت أيضاً من النوبة، غير أنها لم تحقق أي نجاح متصاعد، ولكن مع صوت منير اختلف الأمر تماماً، وهكذا انطلق لمساحات جماهيرية أبعد مما كان الجميع مقدراً له».
كان ينبغي أن يجيب أيضاً هاني شنودة على الشق الثاني من السؤال، وما هو سر عمرو دياب؟ قال شنودة: «أنا حقيقة لا أعرف السر»، يبدو أن أي محاولة للبحث عن أسباب موضوعية لن تستطيع في النهاية ملامسة الحقيقة، شنودة هو أول من أشار إلى موهبة عمرو، ونصحه بالسفر من بورسعيد إلى القاهرة والغناء بلهجة قاهرية وليست بور سعيدية، وطلب منه أيضاً أن يثقل موهبته بالالتحاق بمعهد الموسيقى، كل ذلك يبدو صائباً نظرياً، ولكن عشرات من المطربين فعلوا تقريباً كل ذلك وأكثر، ولم يقتربوا من تلك المكانة التي اعتلاها عمرو دياب.
مع كل إصدار جديد لعمرو تنطلق آراء متحفظة، وأيضاً متحفزة، فهو يخرج عن السائد، وكأن الالتزام بالأبجدية المتعارف عليها في الكلمة والنغمة هو القاموس الدائم للجميع.
عمرو منذ 40 عاماً، يقدِّم ما يشعر به، فهو لا يقدِّم ما ينتظره الناس ولكن ما يشعر أنه سوف يصبح هو تحديداً ما ينتظره الناس.
المغامرة تتناقص في العادة كلما حقق الإنسان نجاحاً أكبر، وأيضاً كلما تقدَّم في العمر، فهو يبدو مثل صاحب وديعة مالية ضخمة، يخشى الرهان عليها، ولهذا يتردد ألف مرة، خوفاً من ضياع كل رأس ماله.
عمرو، ينصت إلى نداء داخلي يقظ، ومع مرور الزمن يزداد حساسية ودقة في الاختيار. الزمن هو أكبر عدو للفنان.
كيف نحيل العدو إلى صديق؟ أظن أن تلك كانت المعضلة التي نجح عمرو في حلها وطوال تلك السنوات، لا يزال ممسكاً بشيفرة النجاح.
ما هو السر إذن؟ فليست له أسباب موضوعية مباشرة، بقدر ما هو وميض داخلي يتيح للفنان أن يمتلك بوصلة شفافة للاختيار، وربما كان هذا هو سر السر، الذي لم يجب عنه هاني شنودة ربما!

