لم تستند مكانة الولايات المتحدة العالمية إلى تفوقها العسكري والاقتصادي فحسب، بل أيضاً إلى استقرار مؤسساتها، واحترام قواعد تداول السلطة، وقابلية سياساتها للتنبؤ، وهي عوامل عززت ثقة الحلفاء بقيادتها للنظام الدولي. غير أن وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2016 شكّل تحدياً لهذا النموذج، إذ كشف تحولات عميقة داخل المجتمع الأميركي، وعمّق الاستقطاب السياسي، وأثار تساؤلات حول متانة المؤسسات واستمرارية الالتزامات الأميركية.
صحيح أن الإدارات الأميركية تعاقبت تاريخياً على تعديل أولويات السياسة الخارجية، إلا أن ذلك لم يكن يخرج عن الثوابت الدستورية والمصالح الاستراتيجية العليا للدولة. فمنذ وودرو ولسون وحتى ما قبل ترمب، تغيّرت الأساليب والسياسات، لكن بقي ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً يمكن توقع نهجه. أما الترمبية فمثّلت استثناءً، لأنها لم تقتصر على تغيير السياسات، بل مست عنصراً أكثر أهمية يتمثل في الثقة باستقرار النظام السياسي الأميركي نفسه.
لماذا معالجة هذا الموضوع ولم يمض أكثر من سنتين ونصف السنة على ولايته الثانية؟ لأنَّ كثيراً من الدول تتعامل مع الترمبية وكأنهَّا ثابت دائم في السياسة الأميركية، وبنت على هذا الافتراض مقارباتها للأزمات الإقليمية والدولية، من إيران إلى حربي غزة ولبنان، مروراً بالعلاقات مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية.
لم تغير الترمبية الأهداف الكبرى للولايات المتحدة، مثل احتواء الصين والحفاظ على التفوق الأميركي وإعادة النظر في آثار العولمة الاقتصادية، لكنها غيرت طريقة إدارتها. فقد قامت على شخصنة القرار، وإعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء، واعتماد شعار «أميركا أولاً» إطاراً ناظماً للسياسة الخارجية، إلى جانب التشكيك في عدد من المسلمات التي حكمت الدور الأميركي منذ نهاية الحرب الباردة.
انعكس ذلك داخلياً وخارجياً. في الداخل، بلغ الاستقطاب السياسي ذروته مع الجدل الذي أعقب التشكيك في نتائج انتخابات 2020، بما هزَّ صورة الديمقراطية الأميركية. أما خارجياً، فقد دفعت الخلافات مع الحلفاء الأوروبيين والانسحاب من عدد من الاتفاقات الدولية وتفضيل العلاقات الثنائية على العمل متعدد الأطراف كثيراً من الدول إلى إعادة تقييم مدى استقرار الالتزامات الأميركية، بسبب التشكيك في استمرارية السياسات والزئبقية المعتمدة.
إنَّ التحوط يقتضي الاستعداد لاحتمالات متعددة، لأنَّ المفترض أن تبقى السياسة الأميركية رهينة نتائج الانتخابات والتوازنات الداخلية والاقتصاد. وعليه، أي مسار سيسود بعد ترمب؟
يقوم السيناريو الأول على استمرار نفوذ ترمبية محدثة من خلال وصول شخصيات تنتمي لهذا التيار إلى البيت الأبيض. لكن ذلك لا يعني بالضرورة استنساخ سياسات ترمب بحذافيرها، خصوصاً شخصنة القرار والصدام المستمر مع المؤسسات، بل استمرار الأولوية للمصالح القومية المباشرة، والحمائية الاقتصادية، والتشدد في ملفات الهجرة، وإعادة تقييم التحالفات وفق منطق التكلفة والعائد، وهو ما سيجعل استعادة ثقة الحلفاء صعباً، لأنَّ الصدمة حول استقرار الالتزامات الأميركية ستبقى قائمة. أبرز المرشحين لهذا السيناريو مارك روبيو، جي دي فانس، وربما أريك دونالد ترمب.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في صعود قيادات جمهورية تقليدية معارضة لترمب، تسعى لاستعادة نهج الجمهوريين في إدارة السياسة عبر إعادة الاعتبار للتحالفات التقليدية وتخفيف حدة الخطاب السياسي. لكنهم سيجدون صعوبة في التراجع عن سياسات أصبحت تحظى بتأييد داخل الحزب وقاعدته، لا سيما في ما يتعلق بالهجرة والصين وإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية. لذلك سيكون التغيير في الأسلوب أكبر منه في الاتجاه.
ويفترض السيناريو الثالث عودة إدارة ديمقراطية تسعى إلى ترميم العلاقات مع الحلفاء وتعزيز العمل متعدد الأطراف، في محاولة لاستعادة صورة أميركا بوصفها شريكاً ثابتاً، غير أن نجاح هذا المسار سيظل محدوداً إذا استمرت الانقسامات الداخلية، لأنَّ الحلفاء باتوا يقيمون السياسة الأميركية من خلال التجربة الحالية وآثارها.
أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر خطورة والأبعد احتمالاً، فيتمثل في التشكيك بنتائج الانتخابات، وهي مؤشرات بدأت تبرز في السجال المحيط بالانتخابات النصفية المقبلة. وإذا تحول هذا التشكيك إلى حملة هادفة، فقد تدخل الولايات المتحدة مرحلةً من عدم اليقين الدستوري والسياسي والأمني، تتجاوز تداعياتها الداخل الأميركي. فالحلفاء سيزدادون قلقاً من استمرار عدم اليقين السياسي في واشنطن وسيكونون أكثر حذراً في بناء استراتيجيات على الأسس السابقة.
السياسات الإقليمية والدولية مطالبةٌ بأخذ هذه السيناريوهات جميعها في الاعتبار، بدل الانطلاق من فرضية استمرار الترمبية بمثابة قدر أو انتهائها بصورة حاسمة.
في النهاية، لا يرتبط التحدي الأساسي بمن يحكم البيت الأبيض، بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات على استعادة الثقة التي شكلت لعقود أحد أهم مصادر القوة الأميركية. فالترمبية أصبحت جزءاً من النقاش حول هوية الدولة الأميركية ودورها العالمي، والهوية لن تتحقق بمجرد تغيير الرئيس أو الحزب الحاكم، بل تحتاج إلى وقت وإلى إعادة ترسيخ الثقة بأن مؤسسات الدولة لا تزال قادرة على ضمان استمرارية الدور الأميركي.

