: آخر تحديث

حين يصبح أمن الخليج شأناً عالميّاً

1
1
2

استضافت العاصمة البلجيكية بروكسل، يوم الاثنين 13 يوليو (تموز) 2026، منتدى الأمن الإقليمي الثالث بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي. ويأتي هذا المنتدى ضمن المسارات العملية للشراكة الاستراتيجية التي أعلنها الجانبان في مايو (أيار) 2022، وترجمةً لمخرجات القمة الخليجية - الأوروبية الأولى التي عُقدت عام 2024، وامتداداً مؤسسياً للمنتديين السابقين في الرياض ودوقية لوكسمبورغ، بما يعكس سعي الكتلتين إلى بناء شراكة أمنية وسياسية أكثر انتظاماً وفاعلية. ويعقد هذا المنتدى في نسخته الثالثة في ظل ظروف دقيقة وحساسة تشهدها منطقة الخليج، حيث تتصاعد التحديات الأمنية والسياسية، وتجدد المخاوف المرتبطة بأمن مضيق هرمز، وانعكاساتها على تدفقات النفط واستقرار أسعاره في الأسواق العالمية. فأمن الخليج لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، وإنما يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن والاستقرار العالميين، وبصورة خاصة بأمن أوروبا ومصالحها، في ظل اعتمادها على استقرار إمدادات الطاقة وسلامة طرق الملاحة والتجارة الدولية. وعليه، تبرز ثلاث قضايا شكلت محور أعمال المنتدى، ومن شأنها أن تحدد ملامح الشراكة الخليجية - الأوروبية في المرحلة المقبلة.

أولى هذه القضايا أن أمن واستقرار الخليج أصبحا ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي ولأمن أوروبا. فالعلاقة بين الجانبين تجاوزت منذ وقت طويل معادلة المنتج والمستهلك، أو المصدر والسوق، إذ إن استقرار الملاحة البحرية في مضيق هرمز وباب المندب، وسلامة المنشآت المدنية والحيوية، واستمرار حركة التجارة، كلها عوامل تمس الحياة الاقتصادية في أوروبا، بقدر ما تمس دول الخليج. وحين يتعرض مضيق هرمز أو باب المندب للاضطراب، فإن التداعيات لا تتوقف عند حدود المنطقة، إذ يعبر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية، بينما يمر عبر باب المندب ما يقارب 12 في المائة من التجارة العالمية المنقولة بحراً، الأمر الذي ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي. وقد أشار الأمين العام لمجلس التعاون، جاسم محمد البديوي، في كلمته أمام المنتدى، إلى أن أوروبا تواجه للمرة الثانية خلال أربعة أعوام صدمة في الطاقة، وأن ما بدا تصعيداً إقليمياً امتدت آثاره إلى اقتصادات الخليج وأوروبا والعالم. وتؤكد هذه الحقيقة أن استقرار الخليج لم يعد مصلحة إقليمية فحسب، بل مسؤولية مشتركة، تتطلب من الشركاء الأوروبيين دوراً أكثر حضوراً في دعم أمن المنطقة وحماية تدفقات الطاقة والتجارة الدولية.

كما أن المتغيرات الإقليمية المتسارعة تستدعي الانتقال من التنسيق والتشاور إلى آفاق أوسع من العمل المشترك، وترجمة التوافق السياسي إلى تعاون عملي في مواجهة التحديات المشتركة، لا سيما في مجالات تبادل المعلومات، والأمن البحري والسيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية. بما يعزز قدرتهما على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود. فالتحديات الراهنة لم تعد تسمح بالاكتفاء بالاستجابات المنفردة، بل تتطلب عملاً جماعياً أكثر تنظيماً واستدامة. ويأتي التحدي الإيراني في مقدمة هذه القضايا التي تبرز أهمية هذا التعاون، إذ تتمسك دول المجلس فعلياً بخيار السلام والحوار والحلول الدبلوماسية وحسن الجوار كسبيل أساسي لتسوية الخلافات، مع التأكيد أن نجاح هذا المسار يرتبط بالتزام إيران الفعلي باحترام سيادة الدول، والقوانين الدولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وضمان حرية الملاحة، وهو ما يمنح أوروبا دوراً مهماً في دعم مسار التهدئة وتعزيز أمن المنطقة واستقرارها.

ويمتد أثر هذا التعاون كذلك إلى ما بعد الأزمة الحالية، إذ يمثل المنتدى فرصة للبناء على ما تحقق في مسار الشراكة الخليجية - الأوروبية، ودفعه نحو مستوى أكثر تكاملاً وقدرة على التعامل مع التحديات المقبلة. وقد طرح الأمين العام ست أولويات تبدأ بالتنسيق السياسي والدبلوماسي، وتمتد إلى الأمن الإقليمي، والممرات التجارية والطرق البديلة، والطاقة، واستخلاص دروس الأزمة، وصولاً إلى التواصل بين الشعوب وتسهيل التنقل، بما يعكس فهماً أوسع للأمن يشمل حماية الاقتصاد والمجتمع إلى جانب حماية الحدود. إن الأمن في صورته الجديدة يعني أن تستمر الموانئ في العمل، وألّا تنقطع شبكات الطاقة والاتصالات، وأن توجد مسارات بديلة للتجارة، وقدرة مشتركة على احتواء الصدمات. كما يعني توسيع الشراكة في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي، لأن بناء المصالح المشتركة هو إحدى أكثر أدوات الوقاية من الأزمات فاعلية. ويمكن ترجمة ذلك إلى آلية دائمة للإنذار المبكر، وتمارين مشتركة لحماية الملاحة والمنشآت الحيوية، وخطط لاستمرارية سلاسل الإمداد، بحيث يصبح التعاون مؤسسياً، لا مرتبطاً بردود الفعل المؤقتة التي تفرضها كل أزمة. ويأتي اقتراب القمة الخليجية - الأوروبية الثانية، المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية خلال عام 2026، ليمنح هذا المسار زخماً إضافياً، وفرصة للبناء على ما تحقق منذ القمة الأولى، ودفع الشراكة نحو آفاق أكثر عمقاً وفاعلية. ومن المؤمل أن تسهم القمة المقبلة في بلورة مبادرات عملية وآليات واضحة للتنفيذ والمتابعة، بما يعزز المبادئ المتفق عليها ويترجمها إلى تعاون مستدام يخدم المصالح المشتركة.

وأخيراً أعتقد أن استمرار الحوار والتنسيق المؤسسي بين الجانبين يؤكد أن أمن الخليج وأوروبا أصبح أكثر ترابطاً وأهمية، وأن مصالحهما المشتركة في الطاقة والملاحة والتجارة أصبحت تتجاوز المسافات الجغرافية. وبالتالي فإن الشراكة الخليجية - الأوروبية أصبحت تمثل مساراً مهماً لتعزيز الأمن والاستقرار ومواجهة التحديات المشتركة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد