في روايته الفاتنة "الأميركي الهادئ"، رصد الكاتب البريطاني غراهام غرين من شرفة فندق في سايغون بفيتنام، نهايات الإمبراطورية الفرنسية في الهند الصينية خريف عام 1952، وبدايات الهيمنة الأميركية، وتنبأ بأن تكون "هيمنة عمياء"؛ لأنها تريق دماء الأبرياء، وهي تحاول إنقاذهم!تدور الرواية حول ألدن بايل، شاب أميركي خريج هارفارد، يفيض بالحماسة والنقاء، لكنه يجهل تعقيدات التاريخ والجغرافيا. ذهب إلى فيتنام، تحت غطاء "بعثة إغاثة طبية"، مدفوعاً بآراء مفكر سياسي يُدعى هاردن، بشأن ضرورة خلق "قوة ثالثة" ديموقراطية في آسيا، تزيح قوى الاستعمار القديم والشيوعية معاً. في سبيل ذلك، يبرر بايل كل شيء، يقتل الأبرياء، لتمرير "النموذج الديموقراطي"، وهو يجسد "الأخلاقية الأميركية الزائفة"، فلسفة تعتقد أن القوة العسكرية المقترنة بالديموقراطية المستوردة يمكنها إعادة تشكيل المجتمعات (وفق منظورها). لينتهي الأمر ببايل مقتولاً، ضحية لجهله بالبلد الذي أراد إنقاذه.في المقابل، يعيش الصحافي البريطاني العجوز توماس فاولر - صوت المؤلف بالرواية - بين البشر، يشم رائحة التاريخ بأزقة سايغون، ولا يؤمن بالشعارات. يمثل "الواقعية الأوروبية" البراغماتية التي تفهم تعقيدات المجتمعات.تبرز الرواية مساوئ الهيمنة الأميركية، وأخطرها النيات الحسنة المدمرة، لجهلها بالواقع الميداني، ولو أسقطنا ذلك على السياسات الأميركية اليوم حيال الشرق الأوسط؛ فسنجد أنها تتعامل مع معضلات المنطقة - من أفغانستان، إلى العراق، إلى إيران - بعقلية بايل؛ بافتراض أن العقوبات الخانقة، أو التلويح بالضربات العسكرية، أو إسقاط الأنظمة، تقود تلقائياً إلى خروج "القوة الثالثة"، أي "الشعوب المحبة للديموقراطية الغربية" لاستقبال المنقذ الأميركي بالورود.يلخص فاولر في الرواية مأساة بايل (الأميركية)، بقوله: "كان من المفترض أن يظل في غرفته يقرأ الكتب؛ لأنه عندما أراد أن يصنع خيراً، حصد الدماء". والولايات المتحدة عندما أرادت نشر الاستقرار بالشرق الأوسط ومحاصرة النفوذ الإيراني، صنعت حروب استنزاف وفراغات استراتيجية دمرت دولاً، وكأن شبح ألدن بايل لم يمت في سايغون. انتقل إلى كابول وبغداد، والآن يرتدي حُلة الخبراء الاستراتيجيين في غرف التخطيط بواشنطن، يحمل الكتب النظرية نفسها، يتحدث لغة أخلاقية زائفة، ويقترف الخطايا الاستراتيجية نفسها.
معضلة بايل... ماذا يفعل "الأميركي الهادئ" في الشرق الأوسط؟!
مواضيع ذات صلة

