: آخر تحديث

إيران التي عليها أن تتعلَّم!

5
4
4

خالد بن حمد المالك

صحا من بقي بين الأحياء من الإيرانيين بعد أربعين يوماً من الحرب على فواجع لم تكن في تقديرهم، ففي غمضة عين تحولت الدولة التي كان يُخطَّط لها بأن تكون إمبراطورية كما كانت في الماضي السحيق إلى إنهاء كل التحضيرات، وشلل كامل في كل القطاعات، وأصبحت الدولة تتوسَّل الوسطاء لإنهاء القتال، وإبقاء ما بقي من منشآت ومصانع وقدرات عسكرية لم تنلها ضراوة الحرب.

* *

كان طموح نظام ما بعد حكم الشاه كبيراً، غارقاً بالأوهام، وسوء التقدير، وأخطاء في الحسابات، وكلَّف الدولة حروباً وحصاراً وعقوباتٍ وفقراً وخسائرَ لم يُحسن الإيرانيون تجنبها، أو الحدَّ منها، أو محاولة التراجع عن سياسة كان من الواضح أنها تقود البلاد إلى ما وصلت إليه الآن.

* *

فقد تبنَّى الخميني ومَن خَلَفَه سياسة تصدير الثورة، والتوسّع، واستخدام العصا الغليظة ضد كل من يعارض هذه السياسة سواء بالداخل أو الخارج، كما كان من سياسة هذا النظام الإيراني الجديد التشجيع على التشبّع بإغراءات مادية كبيرة في آسيا وإفريقيا، بما كان واضحاً فساد هذه السياسة، وعدم واقعيتها، وأن مآلها إلى الفشل، امتداداً إلى انهيار إيران.

* *

ضمن الأدوات التي استخدمتها إيران لتحقيق هذا الهدف اللعب على القضية الفلسطينية، وأن طهران لا غيرها هي المؤهلة لتحرير فلسطين، وقيام الدولة الفلسطينية، لتكون جسراً لها لاستقطاب ولاء مجموعة من الفلسطينيين والعرب، ممن أغراهم هذا الموقف التعاطفي مع القضية الأولى للعرب، دون وجود مصداقية حقيقية لهذا الموقف الإيراني المضلِّل.

* *

وكان الأبرز في السياسات الإيرانية لجوء إيران إلى تبنِّي معارضة من الشيعيين لأنظمة الحكم في الدول العربية، بدءاً بتشجيعهم على المظاهرات والتخريب، وتشكيل قوى ضد أنظمة هذه الدول، باستخدام الورقة الفلسطينية، وافتعال المطالبة بحقوقهم، ضمن طرح كاذب، وتحوم حوله التوجه نحو التآمر على استقرار وازدهار هذه الدول.

* *

لكن الأخطر كان في إنشاء وتحويل ميليشيات في بعض الدول، تموَّل من طهران، وتأتمر بأمرها، وتشكل ذراعاً للمساس باستقرار واستقلال هذه الدول، كما هو حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، وهو ما جعل هذه التنظيمات كما هي إيران هدفاً لحروب وخلافات وصراعات محلية ودولية معها، دون أن تحقق مكاسب لإيران.

* *

يخرج الإيرانيون الآن، مع هذه الهدنة المؤقتة مع أمريكا وإسرائيل، ليروا ويبصروا ما لم يكن في الخيال، تدمير شامل، وقتلى بعشرات الآلاف من القادة السياسيين والعسكريين، ومن المدنيين أيضاً، جامعات ومدارس أُزيلت، ومستشفيات اختفت، وجسور غُيِّبت، والمصانع لم يعد لها من وجود، وشكل المدن الإيرانية كأنها لم تكن مدناً إيرانية، فقد تغيَّرت ملامحها، ولم تعد مظهرياً كما كانت شخصيتها، وكل هذا بسبب السياسات الجنونية لنظام الملالي في إيران.

* *

إيران لن تكون في المستقبل دولة تهدِّد جيرانها، وتحرِّك أذرعتها لخلق الفوضى في عدد من الدول، ولن تتعافى اقتصادياً، وهناك سنوات أمامها حتى تعيد بناء ما هدَّمته الحرب، بمبالغ هائلة، لا تملك طهران القدرة على توفيرها بعد أن خربت البلاد، وقسا الأمريكيون والإسرائيليون في استهدافاتهم لكل ما كان مصدره قوة في إيران.

* *

ومع كل هذا، فلا تزال إيران بمن بقي من مسؤوليها، لا تعترف بالهزيمة، ولا تريد أن تقف الموقف الذي يشخِّص ما آلت إليه الحرب، ودراسة أسبابها، ونتائجها، وما ينبغي أن يتم فعله في المستقبل من أجل حياة أفضل، وباستخدام ثرواتها الهائلة في إطعام البطون الجائعة، بدلاً من تبديدها في حروب ومناكفات ومؤامرات عبثية، ليكون حصادها هذا المشهد المؤلم الذي نراه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد