: آخر تحديث

الاستدامة المهنية في القطاع الخاص

4
4
4

في قلب التحول الاقتصادي الذي تعيشه المملكة، يبرز القطاع الخاص كشريان حيوي لا يقبل التوقف، ومع تسارع خطط التوطين، طفت على السطح ظاهرة «التسرب الوظيفي» كواحدة من أعقد القضايا التي تواجه سوق العمل. إن خروج الشاب السعودي من منظومة القطاع الخاص ليس مجرد قرار فردي بالاستقالة، بل هو ظاهرة معقدة تتشابك فيها الدوافع الشخصية مع بيئة العمل وتصطدم بالأنظمة والتشريعات، مما يستدعي تفكيكاً دقيقاً للمشهد يتجاوز لغة الأرقام الجافة.

يُتهم الشاب السعودي بـ»نفاد الصبر» والرغبة في الوصول إلى قمة الهرم الوظيفي دون المرور بمرحلة التراكم المهني. ولكن بالنظر إلى «المنطق التضادي» الذي يحكم جيل اليوم، نجد أن الشاب يبحث عن السيطرة على مساره المهني في سوق يتسم بالتنافسية العالية. هنا يبرز دور بيئة العمل؛ فالكثير من منشآت القطاع الخاص لا تزال تدار بعقليات تقليدية تنظر للموظف كـ»ترس» في آلة، بدلاً من كونه «شريكاً» في النجاح.

إن أحد أهم مكاسب العمل في القطاع الخاص هو التنوع الثقافي والمهني. يمثل الزملاء من الجنسيات المختلفة «مدرسة واقعية» لنقل المعرفة. فالخبرة لا تكتسب فقط من الكتب أو الدورات التدريبية، بل عبر «الاحتكاك المهني» اليومي. تبادل الخبرات مع الكفاءات العالمية يمنح الشاب السعودي زوايا نظر مختلفة لحل المشكلات، ويطلعه على نماذج عمل متنوعة تعزز من مرونته المهنية.

هذا التبادل المعرفي يجب أن يُنظر إليه كاستثمار استراتيجي؛ فالموظف السعودي الذي يعمل جنباً إلى جنب مع خبرات أجنبية متراكمة، يستطيع «سعودة» الخبرة وتحويلها إلى معرفة محلية مستدامة. إنها عملية «تلاقح مهارات» تجعل من الشاب السعودي منافساً عالمياً، شريطة أن تفتح الشركات قنوات رسمية لهذا التبادل وألا يظل محصوراً في الاجتهادات الفردية.

دوماً تُعقد مقارنات ظالمة بين الموظف السعودي والوافد، ترتكز على معايير «التكلفة» و»الانقياد». يُقال إن الموظف غير السعودي أكثر «صبراً» وأقل «كلفة»، لكن هذه النظرة قاصرة وتفتقر للعمق الاستراتيجي. الموظف السعودي هو «ابن الأرض» والمستثمر الحقيقي في استقرار الاقتصاد الوطني؛ فرواتبه تُضخ في الدورة الاقتصادية المحلية، ولاؤه يمتد لعقود لأنه يبني بيتاً وعائلة هنا.

بينما يمثل الوافد كفاءة نحترمها ونستفيد منها، إلا أن الموظف السعودي يمتلك «الذكاء الثقافي» والقدرة على فهم السوق المحلي والتعامل مع العملاء والجهات التنظيمية بفاعلية لا يمتلكها غيره. المقارنة الصحيحة يجب أن تبنى على «الإنتاجية» و»القيمة المضافة» على المدى الطويل، وليس على التوفير اللحظي في الأجور.

ولتحقيق الاستدامة، علينا التحول من فكرة «التوظيف» إلى فكرة «الاستبقاء». وهذا يتطلب حلولاً جذرية؛ عبر إلزام الشركات الكبرى بوضع برامج رسمية لنقل الخبرة من الكوادر الخبيرة (سعودية أو غير سعودية) إلى الشباب المستجدين، مع تقييم أداء الخبراء بناءً على نجاح متدربيهم.

وتقليص الفجوة في ساعات العمل والامتيازات بين القطاعين العام والخاص، وخلق بيئات عمل تحترم التوازن بين العمل والحياة الخاصة. وأن يرى الشاب «خريطة طريق» واضحة لنموه داخل المنشأة؛ أين سيكون بعد خمس سنوات؟ وما هي المهارات التي يجب أن يمتلكها ليصل؟

إن استقرار الشباب السعودي في القطاع الخاص هو حجر الزاوية في بناء اقتصاد معرفي متين. إنها رحلة تتطلب صبراً من الشاب، وعدالة من صاحب العمل، وحماية مرنة من المشرّع.. إن قيمة المرء لا تقاس بما حققه من نجاح فحسب، بل بالخبرات التي تراكمت لديه في طريق السعي، فالوظيفة قد تنتهي، أما الخبرة فهي الوطن الذي تسكنه أينما ذهبت.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد