: آخر تحديث

حربٌ ضلت طريقها

2
3
3

على الرغم من سيل الادعاءات والادعاءات المضادة من جانب إيران وإسرائيل والولايات المتحدة بشأن النتائج المحتملة لحربهم الحالية، فإن ثمة أمراً واحداً يبدو جلياً: لم يحقق أي من هذا الثلاثي الأهداف التي رسمها لنفسه عندما أوقد شرارتها.

وعلى الجانب الإيراني، كان المرشد الراحل علي خامنئي يأمل، من خلال تبني «خيار شمشون»، في إثارة حرب إقليمية وجيزة تلحق أضراراً محدودة بجمهوريته الإيرانية؛ إذ كان يخطط للتدخل وتقديم إحدى حيله المعهودة تحت مسمى «المرونة البطولية» قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة. كما كان يأمل أن يُسمح له بأداء تلك المناورة بنفسه لإعادة تنشيط نظامه المتهالك لبضع سنوات أخرى.

بيد أن الأمور لم تجر وفق ما اشتهى. لقد صُممت «مرونته البطولية» لتأتي بعد الموجة الأولى من هجمات القاذفات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت جزءاً من البنية التحتية العسكرية الإيرانية.

ومع ذلك، ونظراً لغيابه وعدم تمكنه من أداء دوره، اضطرت إسرائيل والولايات المتحدة إلى الانتقال لموجة ثانية من القصف استهدفت مواقع حددتها نظم الذكاء الاصطناعي. وعندما لم تسفر تلك الخطوة أيضاً عن «المرونة البطولية» المنشودة، لم يجد الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بُداً من الاستمرار في موجة ثالثة من القصف، استهدفت هذه المرة البنية التحتية الصناعية لإيران على نطاق لم تشهده البشرية منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد حاول الرئيس ترمب العثور على شخص ما في طهران يؤدي دور «المرونة البطولية» ضمن السيناريو الذي كتبه المرشد الراحل، وعندما لم يجد أحداً، قرر ترمب اختلاق «قائد» جديد في طهران ادعى أنه يجري معه «محادثات مثمرة» لإنهاء الحرب. وعندما بات جلياً عدم وجود مثل هذا القائد في طهران، قرر ترمب تأدية دور «المرونة البطولية» بنفسه، عبر ادعائه بأنه حقق تغييراً للنظام في طهران، وأنه سينسحب من الحرب خلال فترتين أو ثلاث.

أما نتنياهو، الضلع الثالث في هذا المثلث المأساوي، فقد دخل المعترك بثقة كبيرة وآمال عريضة. لقد حقق أمراً لم يسبقه إليه أي زعيم إسرائيلي آخر، وهو دفع الولايات المتحدة للانضمام إلى حرب إسرائيلية للإطاحة بالنظام الإيراني، بل وتنصيب نظام جديد في طهران يتمحور حول حزب معارض إيراني جديد في المنفى يُدعى «حزب الانتفاضة الوطنية»، والذي يضع في ميثاقه إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل بوصفها إحدى أسمى أولوياته. وكانت هذه أيضاً المرة الأولى التي تشارك فيها الولايات المتحدة في حرب من دون أن يكون لجنرال أميركي القيادة الحصرية للعمليات. وقد أكد نتنياهو هذه الحقيقة من خلال إعرابه عن امتنانه للمساعدة التي يقدمها «حلفاؤنا الأميركيون». وبعبارة أخرى، كانت الولايات المتحدة تعزف على إيقاع ألحان نتنياهو.

وخارج إطار هذا الثلاثي المنخرط في الحرب، انقسم العالم بين أولئك الذين يصنفون الملالي كمنتصرين بدافع كرههم لترمب أو نتنياهو أو حتى أميركا وإسرائيل ككل، وبين أولئك الذين يترجمون كرههم للنظام الإيراني إلى رغبة في تدمير إيران بوصفها دولة قومية، معلنين انتصار ترمب ونتنياهو.

وتبالغ الدوائر المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في تقدير أثر تكتيك طهران المتمثل في إلحاق ضرر اقتصادي بالعالم، من خلال التلاعب بصادرات النفط عبر مضيق هرمز وعرقلة التجارة العامة في جزء كبير من المنطقة؛ وهذا بدوره يضاعف من آثار «المشاكسات» التي يباشرها الملالي. بيد أن هؤلاء ينسون أن الاقتصاد العالمي تعامل مع تحديات أكبر بكثير من ذلك في ما يتصل بالتضخم، ونقص بعض الإمدادات الرئيسية، واضطراب التجارة خلال أزمة «كوفيد-19».

وبالنظر من زاوية أبعد، فإن الأطراف الثلاثة الفاعلة في هذه الحرب يواجهون خطر الخروج منها خاسرين. فمن دون تغيير واضح للنظام في طهران، لن يتمكن ترمب ولا نتنياهو من تبرير التكلفة الهائلة لهذه الحرب في الدماء والأموال والمكانة.

إن مآلاً غامضاً لهذه الحرب سيذكّر الأميركيين والإسرائيليين بأن «حماس» لا تزال تسيطر على ثُلُث قطاع غزة، ومعترف بها بوصفها شريكاً في المفاوضات من قبل إدارة ترمب. وفي غضون ذلك، يتحول «مجلس السلام» التابع لترمب إلى لوحة أخرى من لوحاته الانطباعية عن «الطبيعة الصامتة». كما قد تخسر الولايات المتحدة وإسرائيل الشعب الإيراني، بوصفه أحد الشعوب القليلة المعروفة بنظرتها الإيجابية تجاه كليهما.

باتت مقولة «لقد جئتم ودمرتم بنيتنا التحتية الصناعية والاقتصادية والعلمية، لكنكم أبقيتم على جلادينا في مناصبهم» تكتسب رواجاً متزايداً بين الإيرانيين في الداخل والخارج. فالتجمع الحاشد الذي نظمه «حزب الانتفاضة الوطنية» الإيراني المعارض في المنفى أمام البيت الأبيض تحت شعار «شكراً أيها الرئيس ترمب»، كان مدفوعاً بآمال يائسة في إنهاء 47 عاماً من حكم الخميني.

وبترك النظام الخميني على رأس السلطة، قد تواجه الولايات المتحدة أيضاً مهمة شاقة لاستعادة مصداقيتها بوصفها حامية للدول الحليفة التي تستضيف قواعدها العسكرية. ومع ذلك، ما من شك تقريباً في أنه على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقاها النظام الخميني، فإن الخاسر الأكبر في هذه الحرب السيئة التخطيط والقيادة سيكون الشعب الإيراني. فقد أوقفت الحرب الانتفاضة الوطنية المناهضة للخميني التي اندلعت الشتاء الماضي، والتي استؤنفت بعد هدوء وجيز قبل أيام فقط من ظهور القاذفات في السماء الإيرانية. والآن، فإن شعباً يواجه بطالة جماعية، ونقصاً في الغذاء والماء والدواء، ويفتقر حتى إلى سقف يؤويه في أكثر من 80 بلدة ومدينة، لن يكون مستعداً على الفور لمحاولة أخرى لتغيير النظام.

لقد دمرت الحرب ما يقدر بنحو 300 ألف وظيفة وقرابة 60 ألف منزل، مما خلّف ربع مليون مشرد في 20 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية؛ كما فقدت إيران عدداً كبيراً من سفنها الحربية وأسطولها التجاري. وقد تعرضت صناعتها العسكرية للتدمير، كما تراجع مشروعها النووي الضخم لسنوات، إن لم يكن لعقود.

كما ألحقت الحرب خسائر فادحة بالمواقع التاريخية والثقافية، والتي يُعد بعضها جزءاً من التراث الإنساني الذي تضرر أو دمر جراء أسابيع من القصف المتواصل. والأدهى من ذلك، أن الهجمات غير المبررة التي شنتها قوات «الحرس الثوري» على دول الجوار التي لم تنخرط بأي حال من الأحوال في هذه الحرب، قد تكون ألحقت ضرراً دائماً بالموقف المتسامح، بل وربما المحسن، الذي كانت تتبناه العديد من تلك الدول تجاه إيران، حتى في ظل حكم الملالي.

وفي مناسبات عدة، هدد الرئيس ترمب بقصف إيران وإعادتها إلى «العصر الحجري»؛ ورغم أنه اقترب من تنفيذ ذلك، فإنه ربما غيّر رأيه لإدراكه أنه حتى في العصر الحجري، يمكن للناس الدفاع عن أنفسهم ومواصلة القتال باستخدام الحجارة.

كثيراً ما تضل أفضل الخطط التي يضعها البشر طريقها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد