الاثنين 23 مارس 2026
خالد أحمد الطراح
تلاقت الانتماءات القومية والليبرالية، ومجاميع عشوائية، مع التيارات الإسلامية، وفي مقدمتها الجماعات الدينية المسيَّسة، "الإخوان"، حين ارتفعت أصوات وصراخ حركة "حماس" (الجناح الفلسطيني لـ"الإخوان") مع ولادة المقاطعة الشعبية الكويتية ضد الشركات والمصالح، الأميركية والكويتية، على خلفية أحداث السابع من أكتوبر.
أدت العاطفة دورها، واختلطت الأوراق السياسية مع شعبوية واضحة، وسطحية في قراءة الأحداث السياسية، وتداعياتها على الكويت، فانفعل الشارع عاطفياً على نحوٍ غير عقلاني، كصدى لصوت فلسطيني، وعربي، انتهازي في وقت شديد الحساسية.
وتجاهل في هذا الوقت العصيب هؤلاء المقاطعون – بقصد أو بصمت متعمد – ما تتعرض له الكويت وشعبها، ودول الخليج، من تهديد سافر وعدوان آثم من نظام الولي الفقيه.
الخلافات الفكرية بين التيارات اليسارية والليبرالية والقومية والإسلامية تلاشت فجأة، بل تلاحمت ضد مصالح كويتية وغربية، وشقت المجتمعات، العربية والخليجية، تحت لافتة إسلامية مسيَّسة.
الكويت، كما يعرفها الجميع بحيادها الاجتماعي والسياسي، والإعلامي، تحولت في بعض مراحلها إلى ساحة تتغلغل فيها نزعات طائفية خطيرة، وصلت إلى حد تشكيل خلايا إرهابية، كما في قضية "خلية العبدلي".
وشهدنا تدخلاً من السفارة الإيرانية في شأن قضائي كويتي، وفتحت أحد المنابر الصحافية، آنذاك، مساحة للسفير الإيراني لتمجيد الخمينية. واليوم نرى مشهداً صامتاً، وموقفاً متجاهلاً للعدوان الإيراني على الكويت، ودول الخليج.
ولا يمكن إغفال مشهد حضور وزير داخلية سابق من أسرة الصباح إلى ساحة الإرادة، استجابة لاشتباك عاطفي لا سياسي، حين جرى التذكير بقانون الحرب مع إسرائيل، من دون إدراك لحجم الفوضى الإعلامية، التي كان يقودها شارع منفعل، لا شارع متأنٍ.
المقاطعة الانتقائية تطورت بسرعة في الكويت، وكذلك بين المقيمين من الفلسطينيين والعرب، وانتشرت حالة من العبث بالعقول عبر منابر صحافية، ومنصات إلكترونية، في حين غاب هؤلاء المقاطعون تماماً عن قيادة مبادرة مقاطعة فعلية، لا عشوائية وعاطفية، ضد المصالح الإيرانية في الكويت.
ماذا تعني كل هذه المعطيات والمؤشرات؟
تعني ببساطة أن انفعالات الشارع، والرأي غير المنضبط، أصبحت تقود الوعي العام، بدلاً من أن يقودها، وتكشف في الوقت ذاته عن قدرٍ من عدم النضوج، السياسي والفكري، في المشهد الكويتي، وعن استسلامٍ لغوغائية جماعات إسلامية مسيَّسة، وأخرى لاتزال أسيرة التاريخ.
وهنا يصبح من الضروري قراءة علاقة حركة "حماس" بنظام الولي الفقيه، والميليشيات العراقية، قراءة متأنية وصريحة، بلا مواربة، ولا مجاملة.
وفي المحصلة، لا يمكن للكويت أن تبقى أسيرة مقاطعة انتقائية تحركها العاطفة، وتوجهها جماعات الإسلام السياسي، في حين يظل الخطر الحقيقي، الذي يهدد أمنها وسيادتها، خارج دائرة الغضب الشعبي.
فالمواقف الوطنية لا تُقاس بارتفاع الصوت في مواجهة شركات تجارية، بل بوضوح البوصلة تجاه من يهدد الدولة، ويعمل على اختراقها، سياسياً وأمنياً.
إن الصمت عن المصالح الإيرانية في الكويت، في الوقت الذي تُشن فيه الحملات الصاخبة على مصالح أخرى، ليس موقفاً أخلاقياً ولا سياسياً، بل تعبير عن ازدواجية فكرية وسياسية خطيرة. فالوطنية لا تُجزّأ، والسيادة لا تُدار بمنطق المزاج أو الانفعال.
وإذا كان البعض قد اختار أن يجعل من المقاطعة منصة للمزايدات الأيديولوجية والشعبوية، فإن الحقيقة تبقى واضحة: أمن الكويت وسيادتها فوق كل الاعتبارات، وفوق كل الشعارات العابرة.
أما المقاطعة التي تعمى عن الخطر الإيراني، وتكتفي بالصراخ في اتجاهات أخرى، فهي ليست موقفاً وطنياً بقدر ما هي هروب من مواجهة الحقيقة.

