يكثر الحديث وقت الأزمات والحروب عن مكامن القوة وفي مقدمتها القوة العسكرية والإدارة الحكيمة، ويضاف إلى ذلك في الوقت المعاصر اقتصاد قوي وتقنية متطورة وقد ظهرت هذه العوامل مجتمعة في قدرة بلادنا وقيادتنا على مواجهة الأزمة الحالية التي تمر بها المنطقة وبالذات دول الخليج العربي.
وبحكم التخصص لن أتحدث عن القوة العسكرية وسيكون التركيز على القوة الاقتصادية والتقنية المتطورة.. ومن أهم شواهد تمكين المتانة الاقتصادية الحرص على استمرار سلاسل الإمداد في أداء دورها في توفير الغذاء والدواء والمنتجات الرئيسية الواردة التي كفلت توفر حتى الكماليات منها في أحد أكثر المواسم استهلاكاً (رمضان وعيد الفطر) ولم يشعر المواطن والمقيم بأي نقص في الإمداد، كما استفاد منها ومن خدمات السفر عبر مطارات بلادنا سكان السعودية ولم تقتصر هذه الخدمات عليهم فقط وإنما شملت دول الخليج العربي والدول المجاورة للسعودية التي تضررت من العدوان.
ولضمان استمرارية سلاسل الإمداد عمدت شركات شحن بحرية وبرية إلى نقل الحاويات عبر موانئ البحر الأحمر ثم برًا إلى الإمارات وقطر والكويت والبحرين، ويعزز اعتماد اقتصادات الخليج على الواردات الغذائية أهمية تنويع طرق الإمداد في ظل المخاطر التي تعطل الشحن عبر مضيق هرمز.
وتعد موانئ البحر الأحمر السعودية نقطة عبور مهمة لبعض الشحنات الغذائية المتجهة إلى الخليج القادمة من أنحاء العالم عبر البحر قبل نقلها إلى داخل السعودية وإعادة توزيعها برًا باستخدام شبكة الطرق المتطورة -التي استثمرت فيها السعودية منذ وقت مبكر- إلى أسواق الخليج، وهذا التخطيط المبكر والاستثمارات في البنية التحتية ينم عن فكر وقيادة تسبق الزمن لتستثمر موقع السعودية الإستراتيجي في قلب العالم وربطها لقاراتها، مع سياسة متوازنة جعلت بلادنا شريكاً موثوقاً من دول العالم.
وهذا التعامل الرشيد مع موقع السعودية المهم للعالم كفل عدم تفاقم الأثر الاقتصادي لهذه الحرب الذي كان يمكن أن يؤدي إلى شلل اقتصادي وأزمة عالمية تفوق في أثرها ما أحدثته جائحة كورونا، لولا لطف الله ثم قدرة السعودية على ضمان تدفق الطاقة للعالم عبر ضمانها لمستويات المعروض من النفط وتصديره عبر موانئها على البحر الأحمر من خلال أنبوب النفط الممتد من شرق السعودية إلى غربها، وهو الاستثمار الذي قدم نفسه نموذجاً في التخطيط الإستراتيجي وذلك ما ذكره وزير المالية محمد الجدعان خلال مشاركته هذا الأسبوع في قمة الأولوية التابعة لمبادرة مستقبل الاستثمار التي عقدت في الولايات المتحدة ولم تكن هذه المنظومة اللوجستية أن تتحقق دون الدعم السخي والكبير من القيادة السعودية لكل مبادرات وبرامج منظومة النقل والخدمات اللوجستية".
كما أشار المهندس صالح الجاسر وزير النقل والخدمات اللوجستية في الاجتماع الاستثنائي لوزراء النقل في دول مجلس التعاون وأضاف الوزير أن هذه المبادرات تأتي في إطار رؤية تكاملية تهدف إلى تحويل المنطقة إلى منصة لوجستية مترابطة قادرة على التعامل مع المتغيرات العالمية بكفاءة عالية"، ومن هذه المبادرات إطلاق الخطوط الحديدية السعودية (سار) ممرًا لوجستيًا دوليًا عبر قطارات البضائع يربط ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام وميناء الملك فهد الصناعي بالجبيل وميناء الجبيل التجاري بمنفذ الحديثة ما يعزز الربط المباشر مع الأردن ويدعم حركة التجارة الإقليمية عبر مسار بري عالي الكفاءة بهدف فتح مسارات مباشرة نحو الأردن والدول الواقعة شمال السعودية لتأمين استمرار سلاسل الإمداد، وفي المجال الجوي فتحت السعودية مطاراتها لاستقبال طائرات الخطوط الجوية لعدد من الدول الخليجية ومنها مطارات الدمام والقيصومة وعرعر لضمان تسهيل السفر من هذه الدول وإليها عبر هذه المطارات ثم عبر النقل البري إلى بلدانهم وكذلك البضائع وخاصة المواد الغذائية.
وأخيرًا: نتحدث عن أهمية التقنية التي اهتمت بها بلادنا بل و سبقت به حتى بعض دول العالم الأعضاء في مجموعة العشرين، وفي الأزمة الحالية ظهرت فوائد التعاملات الإلكترونية التي سهلت على المواطنين والزوار حياتهم خصوصاً ونحن في موسم يشهد ملايين المعتمرين والزوار للحرمين الشريفين، وكذلك تم تسخير هذه التقنية في بث الإنذار المبكر لطمأنة المواطنين عبر الهواتف المحمولة.
وفي الختام أدام الله على بلادنا وعلى أشقائنا نعمة الأمن والأمان وحفظ الله قيادتنا الحكيمة التي تدير جميع جوانب التعامل مع الأوضاع والتحديات الحالية بحكمة من شأنها أن تجنب هذه المنطقة بأكملها كيد الكائدين وعدوان المعتدين.

