: آخر تحديث

عشرة ريالات بمصلى العيد

4
3
4

علي الخزيم

بالأسطر التالية عدد من المواقف التي ربما لم تحدث أمامك يومًا ما؛ والقصد منها ذو وجهين؛ الأول: الإفادة مِمَّا بعد الموقف وما تخزنه الذاكرة الإنسانية لاسترجاعه واستلهام الحكمة ولو من موقف بسيط عابر يُمْلِي علينا سلوكًا حضاريًا تأديبيًا يَبقَى لنا ولمن بعدنا حين ننقله إليهم بلطف وسلاسة معرفية تطبيقية، والوجه الآخر للموقف: هو أنه يحمل ابتسامة لظرافة الحدث وندرته أمامنا؛ ويستَحِثّ انشراح النفوس وبهجة القلوب مع صباحات العيد السعيد، وأنوّه هنا إلى أن ما يرسم ابتسامة على شفاه أحدنا قد لا يصنعها عند غيرنا؛ ذلك أن الأمزجة تتباين والنفوس عليها من الأحمال ما يرهقها وقد لا تلتقط مؤشرات الأُنس بالسرعة التي تتوافر لديك، ويقول المثل العامي: (كلٍ عليه مِن زمانه واكِف)! والواكف: ماء المطر إذا نزل على أهل الدار من السقف؛ وللمثل قصة تُروى.

سأرمز للشخصية الظريفة هنا باسم مستعار هو (دحيّم)؛ فقد أسرع صبيحة يوم العيد لمُصلَّى العيد ليجد مكانًا له بالصف الأول؛ وبعد دقائق جاء رجل وابنه الصغير فاتخذا مكانهما بجانبه؛ وبعد تحية المسجد فإن اللطيف (دحيم) بسجيته ونزاهته أخرج من جيبه ورقة نقدية بعشرة ريالات وقدمها للصغير كهدية للعيد؛ غير أن الطفل نظره بنظرات حادة ولم يَنْبُس بكلمة! فلمسه والده لمسة لطيفة فهم منها (أن خذها مجاملة) أخذها دون إشارة بالرضا، وبعد صلاة وخطبة العِيد تكأكأ الناس على والده سلامًا وتحيات وقُبَل على الرأس! ولمح صاحبنا رجلًا يشاهده وهو يبتسم؛ سأله: ما الأمر؟! قال: إني قد شاهدتك تقدم للطفل عيدية بسيطة؛ ألا تعرف من هؤلاء؟ إنه المليونير الشهير فلان؛ وطفله هذا لديه سيارة فارهة خاصة بسائقها؛ قال حبيبنا (دحيم) حَسبُك قد فهمت ما وقعت به!

الظريف اللطيف لا يَكفّ عن مواقفه المُحرجة له المضحكة لغيره؛ فقد روى أنه بيوم عيد سابق دخل أحدهم بالصف بجانبه وبعد تحية المسجد أبَت أريحية (دحيم) إلَّا أن يُقدم لهذا الصغير العيدية؛ وحين مَد يده إليه لإعطائه النقود التفت الآخر نحوه وإذا به رجل مُلتحٍ لكنه قصير القامة لدرجة أن صاحبنا قد حسبه طفلًا صغيرًا، كما استذكر موقفًا كان قد مَرّ به بأحد مصليات العيد لكنه بسنوات مضت حين كان طالبًا بالجامعة وظروفه الشخصية لم تكن تؤهله لبلوغ درجات القيافة والمظهر الحسن بالملبس مِمَّا يوحي للغير أنه مِمَّن لا يؤبه لهم؛ وهذه للأسف نظرة اجتماعية خاطئة؛ فالمفترض (أن من بالمسجد كافة) على درجة واحدة من التقدير، فيروي الموقف بقوله: العادة الجميلة بأكثر مساجد المملكة أن يُقدَّم قبيل صلاة العيد البخور (العود الأزرق) فتدور المباخر بين الحاضرين؛ وحدث أن مَن كان على يَمِيني بعد أن تَطيّب بالبخور التفت إلى اليسار وتوجَّه بالنداء إلى مَن كان على يساري ليناوله المبخرة وكأني غير موجود؛ وأضاف: فقد تيقَّنت أنه لا يراني كفؤًا حتى لدخان مبخرة العود؛ وعلَّق بقوله: والله حينها كنت أشعر بأني أصدق إيمانًا وإنسانية مِن ذاك الإنسان؛ فموازين العقول والسّجايا الحميدة لا تُقاس بعدد سِنِيّ العمر! اللَّهم أكثر من الرحماء الطيبين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد