: آخر تحديث

آل هيكل وآل الخالدي والعرب وإيران!

5
4
4

عندما كان السجال يدور بين عمرو موسى وعبد الرحمن الراشد بشأن فلسطين وإيران، توفي وليد الخالدي بأميركا عن مائةٍ وأربعة أعوام. والدكتور الخالدي ابن الأسرة المقدسية الشهيرة، وقد كتب كثيراً في القضية ودرّس بكبرى الجامعات وأسهم في إنشاء المؤسسات البحثية. ورغم أكاديميته المتميزة فهو ظل أدنى إلى أن يكون ناشطاً مستميتاً من أجل فلسطين وضد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط منذ سبعينات القرن الماضي. لكن وليد الخالدي ومنذ عقود عدة متحزب ضد العرب ومعتقد أنه لولا إيران «العاملة من أجل القضية» لسيطرت إسرائيل بمعاونة أميركا على المنطقة، وأنهوا القضية الفلسطينية! ومع أنه في الحرب الأخيرة ما عاد واعياً فإنه في حرب «حماس» عام 2023 تجدد أمله في أن تتمكن إيران وأذرُعها من تحويل مجرى الأحداث لصالح القضية وصالح إخراج أميركا من المنطقة وكبح جماح إسرائيل!

الأستاذ -هكذا يسميه مريدوه في مصر- محمد حسنين هيكل كان هائماً أيضاً بإيران، وزارها إبان الثورة وكتب عنها كتابه: «مدافع آيات الله». وهو مثل الخالدي في اعتقاده أن العرب تخلوا عن القضية، وأن الإيرانيين تولوها بدلاً عنهم. لكنه مختلف عن الخالدي في الأسباب. فهو يعتقد أنّ الزعامة المصرية للعرب في زمن جمال عبد الناصر كانت هي المؤهَّلة للوصول إلى حلٍّ عادل، وأنّ من جاءوا بعد عبد الناصر أخطأوا في إدارة حرب أكتوبر وتقدير نتائجها، وأنّ «كامب ديفيد» أخرجت مصر بـ«مؤامرة» من الصراع الذي نهضت الثورة الخمينية لمتابعته!

لماذا هذا الحرص الإيراني على القضية بحسب المدرستين؟

وليد الخالدي يعتقد أنّ السبب هو الصراع مع الولايات المتحدة للخروج من الطوق الإمبريالي، واعتبار القضية جزءاً من عملية التحرر باعتبار أن إسرائيل هي وكيلة الإمبريالية بالمنطقة. لكن مع صعود التيارات الإسلامية مثل «حماس» و«الجهاد» ما عاد عند الخالدي تحفظ في إدخال العامل الآيديولوجي. أما لدى هيكل فإنّ هذا العامل حاضرٌ منذ البداية والدستور الإيراني يتحدث عن تصدير الثورة ليس بمعنى مصارعة الإمبريالية بالدرجة الأولى، بل بدوافع دينية.

لدى الرجلين وقد صارت آراؤهما مدرستين في العالم العربي هذا الاستخفاف وهذه الاستهانة واعتقاد التآمُر! وهما معجبان بتركيا وإيران، وبخاصةٍ إيران من جانب وليد الخالدي. فإذا قيل للخالدي: لكنّ تركيا في حلف الأطلسي ولديها علاقات بإسرائيل، اعتبر العرب هم المذنبين لعدم إحسانهم التعامل لا مع تركيا الكمالية ولا مع تركيا الإسلامية! وفي عام 2010 في قمة سِرت بليبيا اقترح عمرو موسى، وكان الأمين العام للجامعة، إدخال تركيا وإيران عضوين مراقبين بالجامعة العربية فاعترض عليه سعود الفيصل قائلاً: «لا شكّ أننا نعاني من خواءٍ استراتيجي، لكن لم يبلغ بنا الذل أن نُدخل الذئب إلى كرْمنا وهو لا يزال يعتدي علينا ويتجاهل مصالحنا!».

لا يستطيع أحدٌ الاعتزاز بالعلاقة مع أميركا باستثناء إسرائيل. لكن «يسوانا ما يسوى العالم» كما يقال من أجل كفّ الأذى. إنما لا يستطيع عربي عاقل أيضاً الاعتزاز بعلاقةٍ مع إيران في زمان دولة ولاية الفقيه. فقد دمرت أربع دول عربية، وافتخرت بالاستيلاء على أربع عواصم عربية. وها هي في الحرب الأخيرة تشن هجماتٍ على دول الخليج الست للإضرار والاستكبار والكراهية التي لا مسوِّغ لها.

يسيطر على مدرستي التذاكي والاستتباع الآن خطاب نتنياهو أنه سيغير بحروبه وجه الشرق الأوسط. وهم يخشون أن تصبح إسرائيل وكيل أميركا في الشرق الأوسط، وأن تنتهي القضية الفلسطينية! وبالطبع لن يحصل هذا ولن تنتهي القضية الفلسطينية؛ لكن ليخبرونا لماذا تضرب إيران التي يريدونها أن تحرر فلسطين الدول العربية دائماً؟ ذوو الميول الإيرانية في العراق يهددون الآن سوريا التي ما صدّقت أن خرجت من الحروب الإيرانية لكنها لم تخرج بعد من الحرب الإسرائيلية.

في أزمنة الشدائد تنشأ لتعليل النكسات مدارس للتذاكي والتعالُم، والافتقار للثقة بالنفس. ومدرستا الخالدي وهيكل من هذا النوع. ولا نحتاج إلى أي منهما أو تعاليمهما لنعرف ماذا علينا أن نفعل. كنا عرباً وسنبقى. لن نخجل بعروبتنا ولا بدولنا:

نحن كنا سكانها من قريشٍ

وبنا سُميت قريشٌ قريشاً


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد