: آخر تحديث

من علامات الأزمنة

5
4
4

أمران كبيران تكشفهما الحرب الدائرة رحاها في الشرق الأوسط.

الأوّل، أنه ليس من حرب في الذاكرة المعاصرة تلتئم فيها مثل هذه الحرب، في آنٍ معاً، المكوّنات التكنولوجية الأكثر حداثةً والأكثر تطوّراً، والمقوّمات الدينية الأكثر رمزيةً والأكثر توغّلاً في الزمان. هذا المزيج المتفجّر الغريب لم نشهده في الحرب العالمية الأولى التي تركت وراءها 19 مليون قتيل ودماراً مادياً هائلاً، ولا في الحرب العالمية الثانية التي سقط خلالها بين 60 و80 مليون قتيل وخلفت دماراً مادياً أكثر اتساعاً وهولاً بكثير أيضاً. في هاتين الحربين، كما في الحرب الروسية على أوكرانيا المستمرّة الآن في أوروبا، التي سقط خلالها من الجانبين مئات آلاف القتلى، وفي حروب عديدة أخرى، تبرز العوامل القومية والآيديولوجية والسياسية والاقتصادية المختلفة.

أما الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية فشأنها آخر. في الفضاء نفسه وفي اللحظة نفسها، يلتقي الذكاء الاصطناعي في تطبيقاته العسكرية الأكثر دقة بالعودة إلى «مقلاع داود»، في إحياء بالغ الدلالة لواقعة تمّت قبل... أكثر من ثلاثة آلاف عام انتصر فيها الراعي الشاب على جوليت الجبار بضربة حجر من مقلاعه. ولم تجد إسرائيل ما تطلقه على حملتها الكبرى المستمرة على إيران، غير تسمية «زئير الأسد»، وهو أسد يهوّذا، في عودة إلى «سفر التكوين» في التوراة، عبر البركة التي أعطاها يعقوب لابنه الرابع يهوذا، حيث أضحى الأسد «رمزاً مقدّساً» لنسل يهوذا وسبطه.

وفي الجهة المقابلة، يطلق النظام الإيراني على مركز عملياته المشتركة الأعلى الذي يقود الحرب تسمية «مركز خاتم الأنبياء». وعملية نصرة الثورة الإيرانية والثأر للمرشد علي الخامنئي التي أطلقها «حزب الله» من الحدود اللبنانية، حملت تسمية «العصف المأكول»، المأخوذة من «سورة الفيل» في القرآن الكريم «فجعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ»، في ما حلَّ بجيش أبرهة، وكيف أهلك الله رجاله فجعلهم كأوراق زرعٍ يابسة مفتتة بعد أن تمّ أكلها. ومن عملية «العصف المأكول» إلى عملية «خيبر واحد» التي تلتها، إشارة إلى غزوة خيبر على اليهود في السنة السابعة هجرية.

هكذا، في الوقت الذي يجهد فيه الطرف الإسرائيلي والطرف الإيراني لاستخدام الوسائل القتالية الأكثر حداثة والتكنولوجيات التدميرية الأكثر تطوّراً، يحفل قاموسهما بالتسميات والرموز والإشارات الدينية، في مزيج غريب كأنه من علامات الأزمنة في هذا القرن الحادي والعشرين. ولا عجب في ذلك، كون الهوية القومية اليهودية مرتكزة في نظر الصهيونيين على «أرض الميعاد»، حين قال إله إسرائيل لإبراهيم في «سفر التكوين»، قبل أربعة آلاف عام: «اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك...». كما أن نظرية ولاية الفقيه، التي تعود جذورها إلى قرون طويلة خلت، فهي تمنح الولي النيابة العامة عن الإمام المعصوم لقيادة الأمة في زمان الغيبة، لحين ظهور الإمام المنتظر.

أما الأمر الكبير الثاني الذي تكشفه هذه الحرب فهو، مرّة أخرى، استحالة إدراك مجرى التاريخ. فهذا النهر الغامض الجارف، ينطوي على قدرٍ من العناصر والعوامل والاحتمالات، ما يستحيل ضبطه وتحديد وجهته. وإذا أخذنا المسألة الإيرانية مثالاً، ما دامت هي الآن موضوع الحرب والسلم، فحين قرر الغرب الأميركي والأوروبي مطلع عام 1979 التخلي عن شاه إيران والرهان على الثورة الإسلامية الخمينية لمواجهة «المدّ الشيوعي» السوفياتي، مفضلاً، وإلى حد بعيد، «الخطر الإسلامي الذي يمكن ضبطه» على «الخطر الشيوعي غير القابل للضبط»، لم يكن يعلم أنه يرتكب خطأ استراتيجياً جسيماً. بدا للوهلة الأولى أن الاحتلال السوفياتي لأفغانستان يؤكّد وجهة نظر الغرب. لكن مفكّري الغرب الاستراتيجيين (ربما باستثناء الفرنسية هيلين كارير - دانكوس) لم يكونوا يدركون أن الاتحاد السوفياتي ومجمل المعسكر الاشتراكي يعانيان من صعوبات داخلية بالغة، ستودي بهما بعد عقد وجيز من الزمن إلى التفكك والانهيار.

وبينما كان يتهاوى جدار برلين عام 1989، كانت الثورة الخمينية تلملم جراح الحرب الإيرانية - العراقية، التي سقط فيها مليون قتيل من الطرفين، وتكمل مخططها الطموح للتحوّل إلى دولة إقليمية كبرى وقوة نووية، مطوّرةً إلى حد بعيد صناعاتها العسكرية، ومكوّنة أذرعها داخل الجماعات المذهبية المتعاطفة معها في المنطقة، تحت شعار «تحرير فلسطين». رأت فيها أميركا باراك أوباما ورقة مهمة للعب على تناقَضات المنطقة، مثلها مثل حركة «الإخوان المسلمين». ثم جاءت أميركا دونالد ترمب لتحسم أمرها تجاهها، وصولاً إلى هذه الحرب، في حين أضحى الهاجس الشيوعي من زمان أثراً بعد عين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد