جذور المسمى وهوية الدولة تتجليان في نصوص مبكرة حفظتها الذاكرة النجدية، ودوّنتها أقلام عاصرت البدايات الأولى للتأسيس السعودي، في الدولة السعودية الأولى تبلورت ملامح كيان سياسي واضح المعالم، وعرف المجتمع نفسه ضمن إطار قيادة ارتبط بها اسمًا ومعنى ودلالة، تداول الناس في مخطوطاتهم ومراسلاتهم ألفاظ «السعودية» و»السعوديون» و»الدولة السعودية» لكونها توصيفًا طبيعيًا لكيان قائم، يحمل رمزيته ويعكس وحدة الشعور والانتماء.
الوثائق المحلية النادرة تكشف قدم هذا المسمى ورسوخه في التداول النجدي منذ نشأة الدولة، في بعض التواريخ يرد وصف «الدولة السعودية الحنفية»، وفي نصوص أخرى يظهر لفظ «السعوديون» ضمن سياق الأحداث، كما ترد عبارات الدعاء للأئمة وبقاء دولتهم، بما يعكس حضورًا مستقرًا للاسم في الوعي الجمعي، هذه الشواهد تمنح التسمية بعدًا تاريخيًا راسخًا، وتضعها في سياق اجتماعي وسياسي متصل بالتجربة التأسيسية الأولى.
الوثيقة النجدية توثق السياسة بلغة المجتمع، وتسجل تفاصيل المرحلة بروح معاصريها، في عبارات مثل: «جرد السعوديون سيوفهم» أو «الطائفة السعودية» تتضح وحدة الاسم في توصيف الفعل الجمعي، ويظهر المجتمع وهو يعبر عن ذاته تحت هذا المسمى ضمن إطار كيان معلوم القيادة والرمزية. النص المحلي يعكس إدراكًا مستقرًا للهوية، ويؤكد أن الاسم تشكل في التداول الاجتماعي قبل أن يثبت في الإعلان الرسمي للدولة الحديثة.
هذه المدونات الخاصة تمثل مصدرًا أصيلًا لإعادة قراءة تاريخ التأسيس من الداخل، حيث يتقدم صوت المؤرخ النجدي شاهدًا على زمنه، حاملًا مفرداته وتصوراته للكيان، المخطوط لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يكشف بنية الوعي السياسي والاجتماعي في تلك المرحلة، ويضع بين يدي الباحث مادة أولية تثبت أن المجتمع كان شريكًا في صياغة اسمه وهويته ضمن علاقة متماسكة بين القيادة والناس.
إبراز هذه الوثائق يفتح أفقًا معرفيًا جديدًا في دراسة التاريخ السعودي، حيث تتكامل الرواية الرسمية مع السردية المحلية، وتظهر تفاصيل لم تحظَ بالانتشار سابقًا. المكتبات الخاصة تحتفظ بذاكرة سياسية واجتماعية عميقة، وتحمل شواهد تؤكد أن الهوية السعودية تشكلت عبر تفاعل حي بين القيادة والمجتمع، واستقرت في الضمير الجمعي قبل أن تعتمد في الصيغة النظامية للدولة الحديثة.
وقد نشرت «الرياض» يوم أمس هذه الوثائق في تفرد مختلف، من مقتنيات الدكتور راشد بن محمد العساكر، بين رمزية القيادة والمجتمع مسميات تكشفها وثائق نادرة تنشر لأول مرة، مقدمة للقارئ مادة أصلية تعيد قراءة التأسيس من داخل نصوصه الأولى. هذا النشر يعزز السردية الوطنية بمصادرها المحلية، ويرسخ حضور الاسم السعودي في عمقه التاريخي، حيث تتكامل صورة الكيان بين المخطوط والذاكرة، ويتجلى التأسيس بوصفه لحظة وعي وهوية، واسم استقر في الضمير قبل أن يعتمد رسميًا في مؤسسات الدولة الحديثة.

