الشفافية عنصر مهم في ثقافة المنظمات، وحضورها سيقضي على الشائعات وتبادل الاتهامات وسيوقف الجدل العقيم الممل، والتغيير المنتظر بعد الشفافية هو تطوير مفهوم وممارسات النقد الرياضي، وأن يبدأ هذا التطوير بالنقد الذاتي لأدائه، والتحرر من فكر المشجع وإعلام النادي إلى النقد الموضوعي الذي يقيّم الأمور بنظرة شمولية مهنية محايدة..
في إطار مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية وفي إطار الارتقاء بالرياضة السعودية إلى المستوى العالمي الذي يليق بمكانة المملكة، انتقلت ملكية أربعة أندية إلى صندوق الاستثمارات العامة بنسبة 75 %. ارتفع مستوى الأداء الفني وأصبح لمسابقات كرة القدم متابعون من خارج المملكة. تطور جاذب للجمهور والاستثمار والرعاية والإعلانات وسوف تكتمل منظومة هذا التطوير بتطور الفكر الإداري وأساليب النقد ومفهوم الإعلام الرياضي.. مشروع مهم يهدف على المدى الطويل إلى الاستدامة المالية من خلال تحويل الأندية إلى شركات تعتمد على مواردها الخاصة وهذا يتوقف على مستوى وكفاءة العمل الإداري.
الأندية التي استحوذ عليها الصندوق حظيت جميعها بدعم أسهم في استقطاب نجوم عالميين، ويبقى بعد ذلك دور إدارات الأندية في اختيار اللاعبين والمدربين ودعم ميزانية النادي من خلال تنويع مصادر الإيرادات، ومنها عقود الرعاية والإعلانات وحقوق النقل التلفزيوني وإسهام أعضاء الشرف.
منذ بداية هذا المشروع، يمارس إعلام الأندية الجدل حول هذا الدعم، يزعم كل ناد أنه الأقل دعما.. الإعلاميون (المشجعون) يتحدثون عن الدعم تحت تأثير الميول، النادي الذي يحقق النجاح توجه له تهمة أنه الأكثر دعما، النادي الذي لا ينجح يجد له الإعلاميون العذر الجديد الجاهز وهو قلة الدعم.. أصبح هذا العذر ينافس عذر التحكيم، وبهذا يتم إيهام جماهير الأندية أن الإدارات بريئة من الفشل، كل نادٍ يدّعي المظلومية، يشكك في التحكيم واللجان، من النادر أن تعترف إدارة أي نادٍ بالأخطاء، لديها مستودع مليء بالمبررات والإسقاط على الآخرين.. أحد أسباب هذا الوضع هو الخلط بين دور الناقد ودور إعلام الأندية وعدم تسليط الضوء النقدي على العنصر الأهم وهو الإدارة.
أصبحت الإدارة في الأندية بسبب الطرح السابق هي العنصر الأقل أهمية، وأصبح موضوع الدعم طوق نجاة للإدارات لتبرير عدم النجاح، وأصبح الحديث حول دعم الأندية فرصة لإعلام الأندية لمواصلة الجدل والمناكفات وتحقيق الإثارة عبر البرامج والحوارات الرياضية.
كل ذلك ما كان ليحدث لو توفرت الشفافية من الجهة الرسمية حول الدعم بلغة الأرقام، وهو دعم لمشروع رياضي وطني يشمل كل الأندية كمرحلة انتقالية تسبق التخصيص.. غياب الشفافية أو تأخرها يمثل السبب الثاني لقضية الجدل المستمرة.
لقد توفر للأندية الأربعة لاعبون نجوم مميزون وأصبح الفرق بين ناد وآخر يكمن في العمل الإداري والعمل الفني الذي ينجح في اختيار اللاعبين وتوظيفهم.. كرة القدم هي جزء من نشاط النادي، نعم هي الجزء الأكثر أهمية وتأثيرا لكنه نشاط يخضع لمنظومة عمل تتضمن جوانب إدارية وفنية واجتماعية وإنسانية.. الجوانب المادية مهمة لكنها وحدها لا تحقق النجاح، تجميع النجوم وحده لا يحقق النجاح بدون عمل إداري متطور.
الجدل سيتوقف حين يحضر الوضوح إلا من فئة تمارس عادة الجدل ولا تستطيع التخلص من هذه العادة أو البحث عن الإثارة ولو بمعلومات غير صحيحة.
الشفافية عنصر مهم في ثقافة المنظمات وركن أساسي في توفير بيئة عمل إيجابية، الشفافية هي توفير المعلومات والحيثيات التي تبنى عليها القرارات في المجالات المختلفة.. الغموض مفتاح للجدل، وباب لدخول الشائعات، ودخول من يزعم أنه يمتلك الحقائق من مصادره الخاصة، هذا الزعم يدفع بصاحبه ليتجرأ ويسبق الآخرين وينشر المعلومات والأخبار التي يزعم أن لا أحد يعرفها غيره!! ثم يتضح لاحقا أن هذ الأخبار غير صحيحة لكن صاحبها لا يتوقف عن بث الأخبار معتقدا أن مهمة الناقد هي تحقيق السبق الصحفي.. هذا الوضع الذي يستغله الباحثون عن الضوء ناتج عن غياب الشفافية أو تأخرها مما يدفع ببعض الإعلاميين إلى اختراع شفافيتهم خاصة!
حضور الشفافية سيقضي على الشائعات وتبادل الاتهامات واستخدام قضية الدعم كوسيلة لتبرير عدم النجاح الإداري، الشفافية ستوقف الجدل العقيم الممل، ستكون المعلومات واضحة وموثقة، سيتوقف اختراع الأخبار ولن يكون هناك فرصة لوكالة (يقولون)، التغيير المنتظر بعد الشفافية هو تطوير مفهوم وممارسات النقد الرياضي وأن يبدأ هذا التطوير بالنقد الذاتي لأدائه والتحرر من فكر المشجع وإعلام النادي إلى النقد الموضوعي الذي يقيم الأمور بنظرة شمولية مهنية محايدة.
المشروع الرياضي يستحق فكرا نقديا متطورا يرتقي إلى مستوى أهمية هذا المشروع، فكر يركز على الأساسيات وليس على الشكليات.

