بدأ قبل أيام «ماراثون» رمضان الدرامي على الشاشات العربية، وفي الوقت نفسه أسدلت قبل ساعات ستائر أحداث الدورة رقم 76 في «مهرجان برلين السينمائي»، الذي أعلن جوائزه، شاهدنا في تلك الدورة قليلاً من الأفلام الجيدة، وكثيراً من التصريحات العشوائية، التي استنفدت طاقة منظمي المهرجان.
تأججت حالة من الجدل السياسي حول المهرجان ودوره في مناصرة القضايا الإنسانية، بسبب تلك التصريحات التي أعلنها كل من رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني الكبير فيم فيندرز، وأيضاً مديرة المهرجان الفنية تريشيا تاتل، تدثرت بحياد زائف تجاه ما يجري على أرض الواقع في غزة.
في النهاية انتصر الإبداع، ونال الفيلم الفلسطيني الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج السوري الهوية الفلسطيني الهوى عبد الله الخطيب، جائزة الأفضل في قسم «وجهات نظر»، وفي حفل الختام لم يستطع أحد على السجادة الحمراء حجب الرؤية السياسية، شاهدنا العلم والكوفية الفلسطينية، هناك قدر ملحوظ من التعاطف مع أهلنا في غزة. ووصلت الرسالة من برلين إلى العالم كله، عندما يتعلق الأمر بالقضايا الإنسانية فإنه لا صوت يعلو على حق الإنسان في الحياة الكريمة، لا نتحدث هنا عن جنس أو دين أو عرق أو لغة، ولكن الإنسان الذي وصفه المطرب الكبير محمد منير قائلاً في أغنيته الشهيرة «مالوش عنوان».
ما حدث في غزة دفع العديد من شعوب العالم لإعلان تعاطفها مع الفلسطينيين الذين واجهوا حرب إبادة، الفيلم الفلسطيني الفائز تتعانق فيه خمس حكايات، حرص المخرج عبد الله الخطيب، في عز لحظات الانهيار على أن يقدم للجمهور ابتسامة، لا تخدش الموقف ولكنها تمنحه عمقاً، تلك الابتسامة تحمل قدراً لا ينكر من التحدي، الفيلم يقدم الإنسان الفلسطيني وهو يناضل من أجل الحياة، بينما على الجانب الآخر هناك من يوجه كل طاقته لقتل الحياة.
الشريط السينمائي يقع في إطار المزج بين «الروائي» و«التسجيلي»، ونبض اللحظة التي يعيشها العالم الآن يسكن فيه. ما الذي يعنيه هذا سوى أن سلاح النضال البتَّار هو الحرص على انتصار الحق، كما أن الحياد لا يعني أن نتوقف عن الانحياز للحق.
ضربت في تلك الدورة من مهرجان (برلين) المخرجة التونسية الكبيرة كوثر بن هنية المثال عملياً، الذي يؤكد أن موقف الفنان لا يقدمه فقط عبر شريط سينمائي، ولكنه يظل يوجه بوصلة مشاعره، وهكذا رفضت تسلم جائزة مسابقة أقيمت على هامش المهرجان تحت اسم «سينما من أجل السلام»، لأنها اكتشفت أن الجائزة ستذهب أيضاً إلى فيلم آخر يتبنى وجهة نظر الجلاد، قالت في كلمة بليغة وهي تعتذر وحرصت على أن تصل كلمتها إلى منظمي تلك المسابقة «سوف تظل هذه الجائزة عندكم».
فيلم كوثر بن هنية «صوت هند رجب» الحاصل قبل بضعة أشهر على جائزة الأسد الفضي من مهرجان «فينيسيا»، والمرشح بقوة بين خمسة أفلام لنيل (أوسكار) أفضل فيلم (دولي) - يعلن 15 مارس (آذار) المقبل - أكَّدت كوثر من خلال هذا الموقف الجريء، أنها لم تكن تقدم فيلماً عن طفلة فلسطينية عمرها 6 سنوات تغتالها بوحشية القوات الإسرائيلية هي وأسرتها والمسعفين، ولكنها بهذا الموقف تدافع عن الإنسان وحقه في الحياة، وأن نبضات قلبها هي التي كانت ترسم ملامح هذا الفيلم. وعلى السجادة الحمراء في مهرجان «برلين»، تأكد الجميع أن قضية غزة ستظل تنبض بالحياة.

