لستُ أدري كم مرة مرَّ بي إطلاق تعبير «الرجل الصعب التَّوَقُّع» في وصف دونالد ترمب، خصوصاً من قِبَل صحف أميركية، أو بريطانية، وبدءاً بولاية الرئيس الأميركي الأولى، قَبل 10 سنوات. بَيدَ أنني بِتُّ أرجح أن معظم القيادات السياسية في العالم أجمع، إضافة إلى غالبية المراقبين، وكُتّاب التحليلات، وربما كلهم، صار التقييمُ الأدقُّ عندهم للرجل يُرجِّح استحالة توقع أي نوع من التصرف قد يقدِم عليه إزاء أي ملف مفتوح أمامه على مكتبه البيضاوي. تُرى، هل من المبالغة، ضمن السياق ذاته، أن يضيف المرءُ فريقَ المستشارين، وأقربَ المعاونين، إلى قائمة رجال ونساء لم يعودوا قادرين على التكهن بما قد يتخذ الرئيس ترمب من قرارات؟ كلا، الغالب أيضاً أن تلك الإضافة ليست بالأمر المُسْتَغرَب. حقاً؛ واضح أن الآتي إلى ساحات الوغى السياسي من عوالم معارك إبرام صفقات المال، وميادين حروب حيتان الأعمال، على صعيد عالمي، فاق كل تصوّر مُتَوَقَّع في كيفية تسديد اللكمات، والإيقاع بخصوم ظنوا أنهم مقيمون في ملاذ آمن.
مهم القول إن ما تقدم ليس من منطلق مديح، أو انبهار، ولا بقصد الذم، أو الانتقاد، بل هو، باختصار، محاولة للتذكير بمدى صعوبة فهم الرئيس الأميركي الـ45 (2016 - 2020)، والـ47 حالياً؛ لأنه يختلف تماماً عن 45 رئيساً غيره تسلموا مفاتيح البيت الأبيض. واضح كذلك أن كثيراً قيل عبر منصات الإعلام، والتواصل الاجتماعي، خلال الأيام الثلاثة الماضية، في مفاجأة بدء عام 2026 «التِّرَمْبِيّ» بزلزلة الأرض تحت مقر نيكولاس مادورو، وإلقاء القبض على زعيم فنزويلا، ثم اقتياده معصوب العينين، مكبل اليدين، بصحبة زوجته سيليا فلوريس، إلى نيويورك، كي يمثل أمام إحدى محاكمها منتصف نهار الاثنين. الأرجح، بالطبع، أن سيل آراء المحللين وردود الفعل من السياسيين، في جميع أنحاء العالم، لن يتوقف، وسوف يمر بعضُ الوقت قبل أن تهدأ تَبِعات غارة ترمب على كاراكاس، ويستوعب الناس، باختلاف مستويات وعيهم، حقيقة مراميها، وما سوف يترتب عليها، داخل القارة الأميركية عموماً، بتعدد ثقافاتها وتنوع أعراقها، وكذلك خارجها.
يبقى القول إن نجاح ضربة الرئيس ترمب في فنزويلا أوضحَ مدى هشاشة الهالة التي يحيط بها أنفسَهم زعماءٌ من أمثال مادورو، منهم مَنْ سبقوه في المصير المشابه، وربما منهم مَنْ ينتظر دوره. صحيح أن ظرف كل حالة يختلف، وصحيح كذلك أن النفط هو الأساس في إحكام قبضة أميركا «التِّرَمْبِيَّة»، على الحكم في كاراكاس، إنما صحيح أيضاً أن مادورو، ومن شابهه، أسرفوا في أوهامهم القائمة على الظن أنهم في منأى عن سطوة آخرين بإمكانهم الوصول إليهم، وإنهاء حكم كل منهم. إنما أين العالم من هذا كله؟ لقد أجاب الأستاذ غسان شربل، رئيس تحرير «الشرق الأوسط»، عن هذا السؤال في مقالته الأحد الماضي «إذا استدعتك محكمة ترمب»؛ إذ ختم مقالته قائلاً: «هذا هو العالم. يحقُّ للقوي ما لا يحقُّ لغيره. القانونُ الدوليُّ قيدٌ على الضعفاء وحدهم. اعتقال مادورو أخطرُ من خطفِ مانويل نورييغا. العالمُ غابة». ذلك كافٍ وواضح جداً.

