المؤتمر الشامل في الرياض يمثل فرصة تاريخية لأبناء الجنوب كي يعبروا عن تطلعاتهم المشروعة في إطار الدولة اليمنية، وبما يحفظ حقوقهم، ويعالج مظالمهم، دون القفز على الواقع أو تجاهل تعقيداته.. وهو في الوقت ذاته رسالة واضحة أن السعودية، ومعها القيادة الشرعية، لا تقف ضد طموحات الشعوب، بل ضد العبث بمصائرها..
حين تتقاطع الجغرافيا مع الحكمة، وتلتقي السياسة مع المسؤولية، تصبح الدعوات الكبرى اختباراً حقيقياً لصدق النيات. من هذا المنطلق، تأتي استجابة المملكة العربية السعودية لطلب فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي بعقد مؤتمرٍ شامل في الرياض، يجمع مختلف المكونات الجنوبية على طاولة الحوار، بوصفها خطوة ضرورية في مسار البحث عن حلولٍ عادلة ومستدامة للقضية الجنوبية، بعيداً عن منطق الإقصاء والمغامرة، وقريباً من روح الدولة والشراكة الوطنية.
القضية الجنوبية ليست وليدة اللحظة، ولا يمكن اختزالها في شعاراتٍ عاطفية أو قراراتٍ أحادية. إنها قضية متشابكة الجذور، تتطلب قراءة هادئة للتاريخ، وفهماً عميقاً لتعقيدات الحاضر، واستشرافاً مسؤولاً لمآلات المستقبل. ومن هنا، فإن عقد مؤتمر يمني جامع في الرياض لا يمثل فقط منصة حوار، بل يؤسس لفرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات، وتغليب صوت العقل على ضجيج السلاح.
لقد كان موقف التحالف والمملكة والقيادة اليمنية الشرعية مجتمعة مما حدث مؤخراً من المجلس الانتقالي الجنوبي موقفاً ضرورياً، بل وحتمياً، لكبح مغامرات رئيسه عيدروس الزبيدي ومن معه من المتطرفين، الذين حاولوا فرض واقعٍ سياسي بالقوة، متجاوزين الإرادة الجامعة لأبناء الجنوب، ومتجاهلين ما قد يترتب على هذه السياسات من أضرار جسيمة على الشعب اليمني، وعلى أمن المنطقة واستقرارها.
إن أخطر ما في هذا التوجه الانفرادي لا يكمن فقط في تهديد وحدة اليمن، بل في تداعياته الإقليمية، حيث يفتح الباب أمام فراغات أمنية، وتغذية صراعات جديدة، واستدعاء تدخلات لا تخدم إلا مشروعات الفوضى. فقرار انفصال الجنوب عن الشمال، إن تم خارج إطار التوافق الوطني، لن يكون سوى مقامرة بمستقبل أجيالٍ كاملة، ودفعٍ باليمن إلى مزيد من التشظي، في وقتٍ هو أحوج ما يكون فيه إلى التماسك.
المملكة العربية السعودية، التي احتضنت اليمن في أصعب مراحله، تدرك أن الحلول المستدامة لا تُفرض، بل تُصاغ بالحوار. ومن هنا، فإن رعايتها لهذا المؤتمر المرتقب تنطلق من إيمانٍ راسخ أن الجنوب لا يُختزل في مكونٍ واحد، ولا يُعبَّر عنه بصوتٍ واحد، وأن العدالة الحقيقية تبدأ من إشراك الجميع، دون استثناء أو وصاية.
كما أن التحالف العربي، الذي جاء دعمه لليمن دفاعاً عن شرعيته واستقراره، كان حريصاً على ألا تنحرف البوصلة عن الهدف الأساس: استعادة الدولة، وبناء سلامٍ عادل، لا سلام الهشاشة المؤقتة. فالتغاضي عن مغامرات سياسية مسلحة كان سيعني تشجيعها، وفتح الباب أمام مزيد من التمردات التي لا تخدم إلا أعداء اليمن.
إن المؤتمر الشامل في الرياض يمثل فرصة تاريخية لأبناء الجنوب كي يعبروا عن تطلعاتهم المشروعة في إطار الدولة اليمنية، وبما يحفظ حقوقهم، ويعالج مظالمهم، دون القفز على الواقع أو تجاهل تعقيداته. وهو في الوقت ذاته رسالة واضحة أن السعودية، ومعها القيادة الشرعية، لا تقف ضد طموحات الشعوب، بل ضد العبث بمصائرها.
اليوم، يقف جنوب اليمن أمام مفترق طرق: إما حوارٌ جامع يؤسس لمستقبلٍ أفضل، أو مغامرات فردية تعمّق الجراح.. وبين هذين الخيارين، يبدو الرهان السعودي - اليمني المشترك واضحاً: تغليب الحكمة، والاحتكام إلى الحوار، وصناعة السلام بيد اليمنيين أنفسهم. فالتاريخ لا يرحم من يفرّط بالفرص، ولا يعذر من يختار الفوضى طريقاً.

