: آخر تحديث

القيادة بالإلهام

8
6
6

في عالم الأعمال اليوم، لم تعد المنافسة تُحسم فقط بالتقنيات أو الميزانيات أو سرعة التنفيذ، بل بقدرة المنظمات على صناعة طاقة داخلية مستدامة تجعل الكوادر البشرية تنجز أكثر وتبقى أطول. هنا تظهر القيادة بالإلهام كأداة استراتيجية، لا كخطاب عاطفي. فالإلهام ليس كلمات جميلة تُقال في الاجتماعات، بل هندسة معنوية تُترجم إلى أداء وتماسك واستمرارية.

من زاوية التواصل الاستراتيجي، الإلهام يعمل مثل رواية مشتركة تمنح الفريق سبباً منطقياً ونفسياً للاستمرار. عندما يشعر الموظف أن ما يفعله يخلق أثراً ويُحترم ويُقدَّر، تصبح أهداف المنظمة جزءاً من أهدافه، لا مجرد تعليمات في بريد إلكتروني. ولهذا السبب، المنظمات التي تملك رسالة ملهمة وقصة واضحة تحافظ على موظفيها بشكل أفضل، لأن الانتماء لا يتكوّن من الراتب وحده، بل من المعنى أيضاً.

مثال عملي يوضح الفكرة: في عام 2008 واجهت ستاربكس اضطرابًا حادًا وتراجعًا في الأداء. العودة لم تُبنَ فقط على خفض التكاليف أو تحسين العمليات، بل على إعادة تعريف المعنى. القيادة ركّزت على جوهر التجربة: لماذا نوجد؟ وما الذي يجب أن يشعر به العميل؟ وكيف يشعر الموظف؟ عندما أصبحت الرسالة واضحة ومُعاشة، ارتفعت جودة الخدمة وتحسّن الأداء لأن الموظف لم يعد ينفذ مهام فقط، بل يشارك في قصة. الإلهام هنا لم يكن شعاراً، بل إطاراً تشغيلياً يوجّه السلوك ويصنع جودة قابلة للقياس.

ولكي يتحول الإلهام إلى نتائج ملموسة لا إلى حماس مؤقت، يجب أن يتجسد في مقطع واحد بسيط يمكن لأي قائد أن يقيسه. يبدأ الإلهام بوضوح المقصد: لماذا نسعى لهذا الهدف؟ وما الأثر الذي يصنعه؟ ثم يثبت نفسه عبر القدوة السلوكية: هل يرى الموظفون القيم في قراراتنا اليومية قبل خطاباتنا؟ ويكتمل عبر الاعتراف الذكي: هل يعرف كل موظف أن دوره واضح، وأن جهده مرئي، وأن إسهاماته تُقدّر؟ عندما تلتقي هذه العناصر الثلاثة يصبح الإلهام نظاماً مستمراً لا حملة موسمية، ويصبح بقاء الموظف قراراً منطقياً لأنه يرى معنىً ومساراً وعدالة.

الخلاصة؛ الإلهام ليس رفاهية إدارية، بل أداة استراتيجية لإدارة الأداء والولاء معاً.. في زمن تتغير فيه الوظائف سريعاً وتتنافس فيه المنظمات على المواهب يصبح الإلهام هو الفارق بين منظمة تحقق أهدافها بجهد مستنزف، وأخرى تحققها بطاقة تنمو وتتجدد. وكما تُدار الدول عبر سرديات كبرى تمنح الشعوب معنى، تُدار المنظمات الناجحة عبر سردية داخلية تجعل الكوادر البشرية ترى في عملهم أكثر من وظيفة: يرونه رسالة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد