عبدالرحمن الحبيب
صدر العديد من الكتب لتحليل وفهم حالة العالم خلال 2026 والمستقبل القريب، والمعتاد أن نتلقى تحليلات متشائمة ليس لمجرد التشاؤم والإحباط، بل لأجل التحذير من عالم مضطرب ينبغي التجهيز والإعداد لمواجهته، وذلك أكثر لفتاً للانتباه من التبشير بعالم يتحسَّن ينبغي الاستفادة منه واستغلال فرصه. ومن بين تلك الكتب ظهر كتابان تحليليان متناقضان في النتيجة: الأول يبدو مفرطاً في التفاؤل وعلى عكسه الكتاب الثاني.
الكتاب الأول يظهر على خلاف التيار التحليلي العام، وعلى عكس قانون «الندرة» المبدأ الاقتصادي الأساسي بأن الرغبات البشرية غير محدودة، بينما الموارد المتاحة لإشباعها محدودة، وأول ما يتضح ذلك من عنوان الكتاب: «الوفرة» (Abundance)، حيث يُبشِّر مؤلفاه عزرا كلاين وديريك طومسون بازدهار تكنولوجي، ويحثَّان على نسيان إعادة التوزيع وإلغاء القيود، والتركيز على النمو والبناء، إذ ستخلق التطورات التقنية ومحطات الطاقة الشمسية ومزارع ناطحات السحاب عالمًا من الوفرة.
المشكلة أننا لم نستغل هذه الوفرة ولم نبنِ ما يكفي حسب الكتاب الذي يوضح أن مشاكلنا اليوم ليست نتاج أخطاء الماضي، بل إن حلول الماضي مناسبة لزمانها، لكنها أصبحت مشاكل الجيل القادم وتعيق التنمية، فالقواعد واللوائح المصممة لحل مشاكل سبعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة مثلاً غالباً ما تعيق مشاريع الإسكان والبنى التحتية للمدن والطاقة النظيفة ومواجهة تغير المناخ، وكل ما من شأنه أن يساعد في حل مشاكل عشرينات هذا القرن، ففي العقود القليلة الماضية، ازدادت قدرتنا على إدراك المشاكل بينما تضاءلت قدرتنا على حلها.
يقترح كلاين وتومسون «أجندة الوفرة» التي يزعمان أنها تُحسِّن إدارة المفاضلة بين القوانين والتقدم الاجتماعي، لكي يتحقق التوازن أو حل وسط بين سمتين مرغوبتين لكنهما غير متوافقتين. وقد رأى بعض النقاد بأن الكتاب يتجاهل الآثار السلبية للمفاضلة، فهو يشير إلى المشكلات دون تحديد حلول واضحة، بينما أشاد البعض بنطاق الأفكار المطروحة ووضوحها.
على نقيض الأول، الكتاب الثاني تحذيري، وقد اختير كأفضل كتاب لعام 2025 من قِبَل مجلات تايم، والإيكونيميست، وإير ميل، وبلومبيرغ، وهيستوري وعنوانه «1929: داخل أعظم انهيار في تاريخ وول ستريت» للكاتب أندرو روس سوركين الذي اشتهر عالمياً عبر كتابه ذائع الصيت «أكبر من أن تفشل» الذي ظهر عقب انهيار سوق الأسهم الأمريكية والأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 .
بالاستناد إلى وثائق العديد من عمالقة وول ستريت من القرن الماضي، ومذكرات لم تُنشر من قبل، ومداولات لم تُكشف سابقًا لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بالإضافة إلى مئات الكتب والمقالات الصحفية، يعيد المؤلف تفكيك الكساد العظيم عام 1929 الذي هزَّ الولايات المتحدة والعالم، ويرى أنه يتشابه لدرجة مقلقة مع واقع اليوم من ناحية المضاربة المفرطة وغياب الرقابة إلى التفاؤل الاقتصادي بعد جائحة، حيث يعكس الصعود الصاروخي والهبوط القاسي لتلك الحقبة بشكلٍ مُرعب عالمنا اليوم مع ارتفاع الأسواق وتصاعد التوترات السياسية وتجدد الصراع على النفوذ المالي، لتتكشَّف دراما أخرى، دراما أصحاب الرؤى والمحتالين، والعمالقة والحالمين، والنشوة والخراب خلف شاشات التداول البراقة والمتداولين المذعورين.
القصة تتكرر دون أن نستفيد من دروس التاريخ: نشهد تقريباً كل لاعبٍ كبيرٍ في وول ستريت يُدير عمليات تلاعبٍ فاحشةٍ بالأسهم، ويُروِّجون لسهمٍ ما مع زملائهم من العمالقة، ويُشاهدون سعره يرتفع بشكلٍ جنونيٍّ بينما يبيع المُتلاعبون لبعضهم البعض بأسعارٍ مُبالغٍ فيها عمداً، ويُشاهدون مُضاربين آخرين ينضمون لرفع الأسعار أكثر فأكثر حتى يبيع المُتلاعبون أسهمهم ويتركون المُستضعفين يتحمّلون الخسارة.
يُخبر سوركين القراء منذ البداية أن كتابه بمثابة تحذير لعصرنا بقدر ما هو قصة عن يوم عصيب، ففي معرض استعراضه لـ»هوس السوق» في قطاعي العملات الرقمية والذكاء الاصطناعي اليوم، يكتب: «كل موجة تُغرينا بالاعتقاد بأننا تعلمنا من التاريخ، وأننا هذه المرة لن ننخدع. ثم يتكرر الأمر». ويختتم الكتاب بنداء إلى «الطبيعة البشرية» وتأمل موجز في الحماقة وثمنها الباهظ.
إنها حكايةٌ عن جشعٍ خاصٍّ يُؤدي إلى كارثةٍ عامة، سردية عن النفوذ والطمع، والوهم المُغري بأن هذه المرة مختلفة، قصةٌ عن تجاهل أجراس الإنذار وعلامات التحذير من تعرضنا للخطر، وتجاهل محلِّلين تنبأوا بالانهيار، لم يتم الانتباه لهم إلا بعد فوات الأوان.
يزعم سوركين أن أغلب الشخصيات المالية البارزة في تلك الحقبة: «قد ارتكب ما هو أسوأ بكثير مما كان سيرتكبه معظم الأفراد في مناصبهم وظروفهم»، ويصرُّ على أن «الأسواق ليست منافساتٍ على الفضيلة والشرف، بل هي، من خلال تأجيج جشع المشاركين فيها، تشق طريقها الفوضوي نحو أسعار عادلة ومعقولة، ومع مرور الوقت، يعمل النظام بشكل عام، حتى وإن بدا في لحظةٍ ما فوضى عارمة»، أي أن الأسواق تضطرب مؤقتاً ثم تعود للانتظام.
هنا يتساءل بعض النقاد مثل زاكاري كارتر: كيف لنا أن نعرف ما إذا كانت الأسواق المالية تجعل الأسعار «عادلة ومعقولة» على المدى الطويل؟ وعلى ماذا نقيس؟ لنفترض جدلاً صحة قول سوركين بأن الأسواق تعمل على المدى الطويل، فماذا نفعل إذن بالمدى القصير، حيث يُمكن أن يُفلس الأغنياء لفترة قصيرة، لكن يُحكم على الفقراء بسنوات من البطالة المُرهقة؟

