جمال الكشكي
منذ ما يقرب من ثمانية عقود، وخروج الاستعمار، وجدت الدولة العربية نفسها معرضة لتصدعات هائلة، فلا توجد دولة واحدة من اثنتين وعشرين دولة عربية لم تتعرض لعواصف، سواء داخلية أم خارجية.
الحقيقة أن صناعة الجماعات والتنظيمات العابرة للحدود في قلب الإقليم العربي، كان لها دور بارز في سرعة الانحدار السياسي في الإقليم، ولنأخذ مثالاً في الانقسام الاجتماعي السياسي في أهم قضية عربية وعالمية وإنسانية، وهي القضية الفلسطينية.
ويغذّى هذا الانقسام بفعل تصورات قادمة من قرون قديمة، ولننظر إلى الذي جرى بين حركة حماس، وحركة فتح عام 2007، حين استولت الأولى على القرار الفلسطيني، الذي هو بدوره مرهون بقوة الاحتلال الإسرائيلي، ومرهون بأوضاع الإقليم، ومرهون بعدم تحقيق المصير الذي يناضل من أجله الفلسطينيون منذ أكثر من قرن.
لقد قسّموا الميراث قبل الأوان، وفي الحقيقة، لم يجرِ ذلك أو مثله في أي حركة تحرر وطني في التاريخ، فمثلاً عندما تحررت فيتنام من الغزو الأمريكي، كان لديها رأس واحد، هو الجنرال جياب، وشريكه القائد هوشي منه.
وإذا انتقلنا من القضية الرمزية الكبرى - فلسطين - فسنجد أنفسنا أمام معضلات بنيوية، ورثتها الدول العربية دون أن تجرؤ على الانقضاض عليها، أو التخلص منها، أو محاولة تفكيكها، فمثلاً منذ استقلال السودان عام 1956، لم يستقر السودان دولة طبيعية قط.
وقد تم هذا الانقسام عام 2011، في خضم انهيار شامل ضرب المنطقة العربية بالكامل، وهو ما عرف بالربيع الأسود، وتحقق الانقسام ما بين السودان الأم وجنوب السودان، والآن تخرج من الأدراج أوراق تحاول تكرار التجربة مرة أخرى في غرب السودان، حيث دارفور وكردفان.
إذا ما مددنا البصر إلى أطراف وهوامش الإقليم، قطعاً سوف نتوقف أمام الحالة اللبنانية، التي تواطأ أو تكيف معها المجتمع الدولي والإقليمي، فتلك الدولة النابضة بالحياة التي تسمى رئة العرب الإبداعية، قرروا أن تكون مسرحاً لحرب أهلية وطائفية.
والحقيقة، أن هذا التكيف هو الأصعب في حالات هشاشة الإقليم، ولا يزال لبنان يخضع للاختبارات الدموية يومياً، حين تنطلق شرارة الموت الإسرائيلي على بلداته وقراه دون توقف.
كذلك الأمر في سوريا «قلب الشام»، سنجد أن لعبة رالف بيترز، صاحب خرائط الدم، تعمل باجتهاد لتنفيذ المرحلة الأخيرة من مخططه بإخراج سوريا من معادلة الاستقرار، ومحاولة قضم أراضيها.
إذاً، وسط هذه المتغيرات وصراعات المصالح لا بدّ أن نتأمل هذه الخرائط التي باتت تئن من حصار الأزمات، لكي ننتشلها من وحل جيوسياسي إلى خرائط الدول الوطنية المستقرة.

