: آخر تحديث

كابوس «الجدار الحديدي»

3
3
3

جمال الكشكي

صراع الخرائط يتسع.. سياسة الضغط القصوى تزداد.. قضم الأراضي استراتيجية صفرية.. الهروب إلى الأمام فلسفة التفاوض تحت النار.. مخططات التهجير لم تستح من الأشهر الحرم، ولم تتراجع أمام عيد الفطر المبارك. بنيامين نتانياهو وحكومته الموغلة في التطرف تواصل كسر كل القوانين الدولية والقوانين الدولية الإنسانية، وتمارس كل صنوف الجرائم في حق الشعب الفلسطيني.

إن القضية الفلسطينية، باتت هي البيدق الذي يتم التلاعب به على رقعة الشطرنج العالمية، كلما جرت أحداث عالمية أو إقليمية، يتم النظر إلى هذا البيدق، كورقة لتنفيذ مخططات ومؤامرات، وأقول إنها بالفعل مؤامرات..

فمنذ السابع من أكتوبر 2023، أستطيع القول إن لاعبين إقليميين تساعدهم جماعات محلية، اختطفوا هذا البيدق للمناورة من أجل تحقيق استراتيجية، لا تمت بصلة سوى لتحقيق نصر محدد لخرائط محددة. هذه الاستراتيجية تلقفتها إسرائيل، واعتبرتها فرصة لتتعامل هي الأخرى مع البيدق ذاته، من أجل تحطيمه وتمزيقه، وجعله نقطة لبداية مشروع خطير يقوم على توسيعها على حساب الخرائط العربية.

بين هذين اللاعبين المتصارعين إسرائيل والقوى الإقليمية الأخرى، يقف الفلسطيني عارياً من القوة، يقتّل ويهجّر ويهدّد بتصفية قضيته العادلة، بل قد تتسع رقعة الحرب من غزة الصغيرة إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط، وقد تطال جارتنا أوروبا غرب المتوسط، ومنها إلى القوى الأخرى في قارة آسيا، ما يشكل جوهراً لحرب عالمية ثالثة تبدأ شرارتها من العبث مع هذا البيدق الفلسطيني الذي لا يمكن أن تتنازل عنه جغرافيا فلسطين، أو تاريخ المنطقة.

لا شك أن اللحظة فارقة وفاصلة، ويحتاج هذا البيدق الفلسطيني أن يكون ثابتاً وموحداً من أجل تحرير ذاته، وحماية لمقدرات المنطقة، ولا شك أن إسرائيل تخطئ عندما تعتقد أن سلام القوة والضغط العسكري هو السبيل لتصفية القضية أو لتفكيك محيطها، من أجل صناعة خرائط لا يمكن أن تمر وفق أوهام اليمين الإسرائيلي المتطرف أو اليمين الغربي الأكثر تطرفاً.

ولا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية عندما تدعم هذا التصور وتساعده وتتبناه، فإنها تخسر على المدى الاستراتيجي قطاعاً هائلاً من الجغرافيا والتاريخ.. فهذا القطاع يمتد من موريتانيا في الغرب، إلى حدود إندونيسيا في الشرق، مروراً بالدول العربية والإسلامية الواقعة في قلب الكرة الأرضية، حيث خطوط المواصلات البرية والبحرية والجوية.

وإذا كان هذا الامتداد على مستوى الجغرافيا، فإن هناك امتداداً آخر على مستوى التاريخ والعقائد والحضارة والثقافة، وإذا خسرت أمريكا هذه القوة في المستقبل، فإن نفوذها سيتقلص لصالح الحالة الإسرائيلية الصغيرة في الجغرافيا والتاريخ.

إذن، نحن أمام مفترق عالمي، إما أن يتم تثبيت هذا البيدق على رقعته بقوة أصحابه الأصليين، أي الفلسطينيين أولاً، وثانياً بمساعدة أشقائهم العرب، وإخوتهم المسلمين، وكل الشعوب المحبة للسلام.

أما ثالثاً، فإن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تخطو خطوة نحو سلام دائم وعادل لهذا البيدق، الذي بات ضحية الحسابات بين القوى العالمية والإقليمية المتعارضة، فمثلاً السلام الذي تدعو إليه واشنطن بين أوكرانيا وروسيا، لماذا لا يكون في فلسطين؟

فرغم أن الصراع الأوكراني - الروسي هو صراع جيو استراتيجي، ونفوذ اقتصادي، فإن القضية الفلسطينية تختلف تماماً كونها قضية شعب تحت الاحتلال، ومن حقه التحرر وتقرير المصير، ومن ثم كان من الأحرى على الولايات المتحدة الأمريكية تطبيق هذا السلام في فلسطين، وألا تكون داعمة بالمطلق للتطرف الإسرائيلي الذي يرتكب كل الجرائم المخالفة للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وتعد جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي.

لا شك أن يوماً ما ستكون المؤسسات الدولية، محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية قويتين، بما يجعلهما تحاكمان الذين ارتكبوا جريمة الإبادة، والتطهير العرقي للفلسطينيين، وفي تلك اللحظة وبقوة الحقوق والقوانين، سيستقر البيدق الفلسطيني على رقعته الصحيحة والمستحقة، ولن يستطيع أحد تحريكه من مربع إلى آخر..

وسوف تتحرر الأراضي الفلسطينية ويقرر شعبها مصيره، وستنهزم فلسفة وأيديولوجية جابوتنسكي التي تعرف باسم «الجدار الحديدي» والتي أطلقها في عشرينيات القرن الماضي، وشكلت الملهم الأساسي لنتانياهو طيلة مسيرته في الحكم، حتى أن فكرة (الجدار الحديدي) باتت كابوساً يطارد نتانياهو في التلاعب بالقضية الفلسطينية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد