: آخر تحديث

تمثال الحرية.. وبقي الحديد !

5
5
5

أثار الجدل حول تمثال الحرية في نيويورك شهية الصحافة الغربية التي ما انفكت تهاجم نهج الرئيس ترامب، أو كما شاع أخيراً استعمال مصطلح المرحلة الترامبية (Trumpism) التي بدا واضحاً أنها ابتعدت كثيراً عن مبدأ الحرية الذي طالما كانت رمزاً للولايات المتحدة من خلال أهم معالمها.. تمثال الحرية.
وفي خطوة غير مسبوقة دعا السياسي الفرنسي وعضو البرلمان الأوروبي رافائيل غلوكسمان، إلى إعادة التمثال إلى فرنسا.. قائلاً: «إن أمريكا لم تعد تستحق هذا الرمز الذي قدمته لها فرنسا قبل 140 عاماً بمناسبة الذكرى المئوية لاستقلالها». وأضاف: «إن القيم التي يمثلها التمثال مثل الحرية والديمقراطية لم تُحترم بالشكل الكافي».
أما الرد الصادم من أمريكا فقد جاء بفوقية بعيداً عن كل الأعراف الدبلوماسية على لسان كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض التي قالت: «نصيحتي لذلك السياسي المغمور هي أن يتذكر أن الفرنسيين لا يتحدثون الألمانية اليوم بفضل الولايات المتحدة». في إشارة إلى دعم أمريكا لهم خلال الحرب العالمية الثانية. مُتجاهلة دور فرنسا المحوري في دعم استقلال أمريكا خلال حربها مع بريطانيا عكس هذا الجدل مادة دسمة تناولتها الوسائل الإعلامية التي تشعر بالقمع، مؤكدة أن الحرية أصبحت تمثالاً بلا معنى.. ونشرت صحيفة «واشنطن بوست» عموداً بقلم الكاتب الأمريكي بوب كاجان، يقول فيه: «لا يمكننا أن نلوم ترامب على كلماته.. هناك طريق واضح نحو الدكتاتورية وهو يقصر يوماً بعد يوم». وعلق جوناثان فريدلاند المحرر في «الغارديان»، قائلاً: «إن زعيم أقوى دولة في العالم يتصرف باستبداد يهدد مبدأ الحرية الذي قامت عليه أمريكا». جاءت تلك المقالات وغيرها من دون أن تثير أي رد فعل غاضب من الرئيس المُعجب بنتنياهو والذي كان قد أعلن قبل ولايته أنه سيكون دكتاتوراً لمدة 24 ساعة فقط.. ما يُذّكِر بميغل بريمو دي ريفيرا رئيس وزراء إسبانيا عام 1923 المُعجب بموسوليني والذي قال إنه سيكون ديكتاتوراً لمدة 90 يوماً فقط وبقي في السلطة 6 سنوات. وقد يكون حلم (ريفييرا غزة) تأكيداً للخلفية التي تأثر بها ترامب.


علماً أن ترامب كان قد شن هجوماً لاذعاً على وسائل الإعلام التي تنتقده. وقال: «إن شبكتي «CNN» و«MSNBC» وصحفاً لم يحددها تكتب بنسبة 97.6% أموراً سيئة عنه. وهذا الأمر يجب أن يتوقف». ووصف وسائل الإعلام بأنها أذرع سياسية للحزب الديمقراطي وبأنها فاسدة وغير شرعية. أما وكالة الصحافة الفرنسية فقد وصفت الأمر بأنه ممارسات غير مسبوقة لرئيس في بلد يكرس حرية الصحافة في دستوره، حيث يصف ترامب صحفيين لا يتفق معهم بأنهم «أعداء الشعب» ويروجون «أخباراً مُضللة». فمنذ بدء ولايته الرئاسية الثانية سارع إلى الضغط على وسائل رئيسية مثل وكالة «أسوشيتد برس». وعمد إلى تمكين وسائل يمينية أخرى من تغطية أخبار البيت الأبيض وتضييقها على غيرها. وهكذا مَنع صحفيي وكالة «أسوشيتد برس» من دخول المكتب الرئاسي والطائرة الرئاسية. وأرجع القرار إلى رفض الوكالة استخدام مصطلح (خليج أمريكا) بدلاً من (خليج المكسيك).
هذا عدا نقمة الصحافة على تفكيك ترامب لوسائل إعلام مُمولة أمريكياً وتعريض العاملين فيها للخطر. وقد حذرت منظمة «مراسلون بلا حدود» من أن هذه الخطوات لتفكيك وسائل إعلامية عالمية على غرار «صوت أمريكا» من شأنها تعريض صحفيي هذه المؤسسات للخطر. لكن الإدارة الجديدة باشرت عمليات التسريح بشكل واسع النطاق في «إذاعة صوت أمريكا» ووسائل إعلامية أخرى تمولها الولايات المتحدة بعد يومين من توقيع الرئيس على وقف عمل (الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي). وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» إنها «تطلق جرس إنذار على مخاطر تواجه طواقم (الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي) بينهم تسعة صحفيين مسجونين حالياً في الخارج بسبب عملهم. وقال المدير العام للمنظمة: «إن هذه التصرفات لا تشبه ما اعتدنا أن نعرفه عن بلد الحرية الإعلامية ورمزها العالمي». علماَ أن (الوكالة الأمريكية للإعلام) تشرف أيضاً على (إذاعة أوروبا الحرة- وراديو ليبرتي) و(إذاعة آسيا الحرة) وجاء في بيان (فرانس ميديا موند) و(دويتشه فيلي) أن هذه الخطوة تهدد بحرمان ملايين الأشخاص حول العالم من مصدر حيوي للمعلومات المتوازنة التي تم التحقق منها. وتابع البيان: «هذه الخطوة تهدد الدور الذي كانت تؤديه الولايات المتحدة منذ زمن في الدفاع عن حرية الصحافة».
من ناحية أخرى تفاجأ الإعلام الغربي بالتصعيد ضد عدد من المؤسسات الأمريكية الإعلامية مثل «نيويورك تايمز» و«سي بي أس»، حيث أقام الرئيس دعاوى قضائية عليها مطالباً بتعويضات خيالية وفقاً لصحيفة «الغارديان».


تأتي كل تلك الخطوات القمعية لحرية الإعلام، إضافة إلى تقييد حرية التجارة وترحيل المهاجرين وقمع حرية التعبير حتى بين الطلاب. هذا ولم نتحدث عن الحروب التجارية التي جعلت الشعب الأوروبي يعلن مقاطعته للمنتجات الأمريكية. أن يحدث هذا التغيير المفاجئ في بلد يحمل أهم مَعلم من مَعالم الحرية التي تتباهى بها. مسألة يمكن أن يقال فيها: إن التمثال فقد معناه القديم ولم يبق في الجديد منه.. سوى الحديدة.
* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد