: آخر تحديث

أين «باشلار» العربي؟

17
17
16

.. أين «غاستون باشلار» العربي؟.. سؤال قد يباغتك وأنت تقرأ عن جماليات المكان (الفرنسي بالطبع)، أو وأنت تقرأ عن ظواهر مثل الماء، والهواء، والمواد الصلبة الأرضية، وقد تحوّلت كل هذه الفضاءات المادية إلى بحث شعري أولاً، ولكن هذا البحث في الأساس مبني على عقل علمي، وبالمناسبة، يحمل (باشلار) القارئ للخيال الشعري بامتياز درجات في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، ولكن ما من شاعر بشكل خاص إلا ويقرأ هذا (العالم) بشغف أدبي وثقافي أكثر مما يقرأ بهذا الشغف شكسبير أو دانتي أو طه حسين..

أين باحثون ومفكّرون عرب من قماشة صاحب (الأرض وأحلام يقظة الإرادة) فرّغوا أعمارهم لدراسة المعادن والتعدين وصهر الحديد، مثلاً، أين.. ذلك الاسم العربي الذي تخصّص في دراسة الدبال والغابات والتاريخ الطبيعي والثقافي للحيوانات والحشرات والرياح.. مرة ثانية، وفي مستوى بحثي علمي ثقافي بعقلية مثل عقلية ذلك القروي الريفي المولع بالأبواب، والعلِّيات والأدراج والبيوت (.. التي تموت إذا غادرها ساكنوها..) كما يقول محمود درويش.

غريب، بل، مدهش رجل مثل (أُوربان يارنه) هو أساساً شاعر ومسرحي وفيلسوف، ولكنه أوّل من وضع علم التعدين والمعادن في السويد، وعاش حياته كلها في مختبرات البحث الصناعي، (صناعة الحديد)، ولعلّه (السيميائي) الأول في أوروبا القرن السابع عشر، الذي فصل الكيمياء عن السيمياء، ومع أنه فيلسوف، إلا أنه لم يبحث عن حجر الفلاسفة ليصنع الذهب، كان شاعراً عالماً سخر من هذا الحجر، وراح يبحث عن الذهب في المختبر وفي الكيمياء.. بالطبع، لدينا عقول عربية علمية ترفع لها القبّعات. وأنت لا تنسى رجل الكيمياء العربي جابر بن حيان (الفيلسوف والمتصوّف)، ولكن – المحيّر في الأمر أن هذه الثقافة الاستثنائية التي تجمع بين العلم والأدب والفلسفة والفكر لا تشكل ظاهرة معاصرة في فضائنا المعرفي العربي،.. وحين تتساءل (.. أين باشلار العربي؟)، فلا يعني تساؤلك استخفافاً بالعقل العربي، بقدر ما الأمر كله (غيرة).. لا أكثر.

هذا الصف الثقافي الغربي، الظاهراتي، الفكري والتحليلي لتاريخ الإنسان والكائنات والبيئة والأرض يثير الغيرة بالفعل،.. ربما غيرة الشاعر العربي فحسب حين يقرأ مثلاً عن مفكر أوروبي كرّس كل حياته لفحص الحجارة، أو تتبع تاريخ الأشجار، أو مراقبة الغيوم، أو دراسة الكهوف، وهي كما نرى كلها فضاءات شعرية في الأصل، (فضاءات مكانه العربي الشعري).. غير أن العين التي التقطت هذه الفضاءات كلها ليست عيناً عربية.. المهم،.. الرؤية والرؤيا...

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد