: آخر تحديث

جزء من مشهد نهضة البحرين العمرانية..

27
24
34
مواضيع ذات صلة

ذات مساء ومن سطح منزلي بمنطقة قلالي رميت البصر تجاه البحر جنوبا بعيدا في أفق كانت لا تستوقفه حتى تسعينيات القرن الماضي سوى بعض حضور صيد الأسماك، أرسلت الطرف جنوبا حيث يقبع الحوض الجاف المشروع التنموي الصناعي الكبير الذي كان إنشاؤه باكورة العمل في ردم البحر بمنطقة المحرق والذي تم إيصاله بيابسة شمال الحد المتصلة بشارع يؤدي إلى المحرق وبالتالي إلى كل مناطق البحرين، ثم أجلت ناظري متأملا حدود مدينة الحد الشرقية الحديثة بمبانيها وشوارعها وبنيتها التحتية، وحولت عنها البصر قاصدا الجهة الشرقية لأرى مجموعة من المباني العمرانية لمناطق جديدة تحيط بمنطقة قلالي أولها المنطقة الاستثمارية ودلمونيا فجزر أمواج وهي مناطق مستلقية في دعة ببحر الخليج، ومن ثم أجلت عيني جهة الشمال الغربي حيث مدينة ديار المحرق، وما أدراك ما ديار المحرق، التي  تحفر لها اسما في النهضة العمرانية والتنموية لمملكة البحرين. كل ما نقلت لكم من سياحتي البصرية في بعض الأرجاء البهية من بحريننا الجميلة مناطق جديدة ظهرت تباعا بعد العام 2000؛ لتعلن نهضة عمرانية هي في جوهرها وجه مفرد من وجوه نهضة متعددة الجوانب تعيش بلادنا على إيقاعها منذ عقود.  

  شكل البحرين بمختلف مناطقها لم يغب إلى الآن من ذاكرة مواليد الخمسينيات والستينيات والسبعينيات؛ فهو منحفر في ذاكرتهم صورا خالدة لعل بعضهم قد حرص على نقل معالمها إلى أبنائه وربما أحفاده حفظا للذاكرة الجماعية ودعوة خفية للمقارنة بين ما كان وما صار، وأظن أن كثيرا من مواليد الخمسينات والستينات ما زالوا يتذكرون كيف كانوا يتهجون وهم صغار أسماء هذه المناطق بمبانيها وشوارعها ودكاكينها القليلة المبعثرة وأسواقها القصيّة التي لا تطؤها أقدام الكثير من الشباب إلا في المناسبات الكبيرة، ولك أن تلاحظ معي قارئي الكريم كيف يبدو الزمن بعيدا عندما أذكر سنوات تنتمي إلى القرن الماضي أو أحاول أن أنقل لك بعض تفاصيل تلك الأعوام وشيئا من صورها، والحال أن تلك الأعوام، وإن كانت بمعيار ما قديمة نسبيا، فهي مرتسمة إلى الآن في الذاكرة بمعالمها العارية، وتشكل الخطوات الأولى لكل عملية البناء هذه التي تشهدها جزيرة المحرق في جزئها الشرقي مذاك أسوة بمناطق البحرين الأخرى.

  أنا من مواليد هذه السنوات، التي لو تصفحت دفتر يومياتها الجميلة بناسها، والمتعبة بإمكاناتها، وتأملت ما كان يحيط بها من ظروف مادية صعبة لما خطر ببالك، ولا تخيلت أن تصبح البحرين في يوم من الأيام بهذا الجمال وبهذا التطور العمراني المهيب الذي تبدو عليه اليوم، ولما تصورت أن تتمتع البحرين ببنية تحتية متينة وقوية كتلك التي تميزها اليوم، ولما دار بخلدك أن العمران الحديث والتخطيط المدروس سيغزو البحرين من أقصاها إلى أقصاها. لو كنت من ذلك الجيل لوجدت أن البساطة التي كانت وجها من وجوه جمال البحرين لم تختف، ولكنها تطورت وجارت العصر وبارت الزمن في تحولاته لتُكسب البحرين بهاء جديدا وتمنح للجمال فيها معايير حديثة لعل أبرزها رفاه واستفادة قصوى من ثمار الحداثة والتطور، ولا فضل في ذلك إلا للحكومة التي تخطط وتجزل العطاء لبناء مستقبل زاهر ولشعب البحرين الذي يعمل بجد وصبر لتحقيق مختلف الطموحات.

  الفرق اليوم بين منطقة ومنطقة هو أن منطقة ما في عموم البحرين أكثر عمرانا وجمالا من منطقة أخرى، وهذا فارق لعمري من السهل التغلب عليه في مستقبل قريب جدا بالأدوات التحديثية وبالمال اللذين تعول عليهما الدولة بتعظيم دور الشراكات الإستراتيجية مع القطاع الخاص في رسم ملامح مستقبل المملكة. الثابت، وهذه حقيقة لا جدال فيها، أنْ ليست ثمة منطقة من مناطق البحرين منسية ومستثناة من أي خدمة من الخدمات الحكومية صحية كانت أم تعليمية أم إسكانية أم غيرها من الخدمات، وإذا ما قُدر لك أن تسمع من يهمس بذلك، فابحث عن دوافعه غير الآمنة تجد وراءها ما وراءها من العمى الإيديولوجي والوعي الزائف الذي يقود أصحابه في العادة إلى الكفر بالنعم وإلى التعامي عن الواقع بدوافع مريبة لا صلة لها بالوطنية وأبعادها، والأكيد أيضا أن برنامج التطوير وفق رؤية 2030 موضوع وجارٍ العمل به كما تقتضيه الأهداف التي رُسمت له، ومثلما تتطلبه الغايات التنموية المنشودة فيه من إنجازات نراها تزهر في كامل أرجاء البحرين الحبيبة.

  يبدو لي أن وتيرة العمل، حتى الآن، متناغمة مع حاجات المملكة من التطوير والتحديث وخصوصا في كل ما يتعلق بالبنية التحتية بشوارعها وجسورها وأنفاقها ومجاريها وبما تتطلبه من شبكات تواصل حديثة ومتطورة وسريعة وذات كفاءة ومصداقية تقنية عالية، ويبدو لي أن ما أنجز حد الساعة ضخم حقيقة، لكن الأكيد أننا بحاجة إلى تسريع في وضع الخطط المستقبلية فيما يتعلق بالمشاريع الإسكانية ومتطلبات التسكين في هذه المشاريع التي يجب أن تكون شاغلا رئيسا من شواغل الحكومة في المدى المتبقي من عمر الرؤية الاقتصادية.

  انظروا من حولكم، وأمعنوا النظر في الإنجازات الضخمة التي تمت حتى الآن؛ فما أوردته ليس إلا نزرا يسيرا من عملية التطوير في جزيرة المحرق، وليس إلا عينة دالة على المشاريع العملاقة التي تم الانتهاء منها وصارت تشكل ركيزة من ركائز المدنية والتحديث التي يحتاجها المجتمع البحريني. انظروا من حولكم، ثم ارجعوا البصر سترون أن جزيرة البحرين لم تعد كما كانت حتى من حيث حجمها، فكيف بما فيها ومن فيها؟!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد