تُعتبر أساليب التفاوض موضوعًا معقدًا يتأثر بالعوامل الثقافية، والسياسية، والاجتماعية. في هذا السياق، نجد أن جامعة هارفرد تقدم رؤى قيمة حول أساليب التفاوض، حيث تركز على أهمية التحضير، والفهم العميق للطرف الآخر، وبناء استراتيجيات فعالة، وهو ما سأعرّج عليه حسبما درست ذلك في جامعة هارفرد لبرنامج "إتقان مهارات التفاوض". ولكن قبل الولوج إلى ذلك، سأعرض مقارنة بين المفاوض الإيراني والمفاوض الأميركي، حيث نلاحظ اختلافات واضحة في الأسلوب والخلفية.
أولًا: المفاوض الإيراني: أسلوب البازار
الخلفية:
-
يتكون الوفد الإيراني من مجموعة متنوعة من الخبرات: سياسيين، وأمنيين، وعسكريين، واقتصاديين.
-
عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، يُعتبر الشخصية الرئيسية في التفاوض، حيث يمتلك دكتوراه في العلوم السياسية وتجربة غنية في مفاوضات الاتفاق النووي.
أسلوب التفاوض:
-
أسلوب البازار: ينظر عراقجي إلى التفاوض كمعركة باردة تتطلب صبرًا واستراتيجية. يتسم هذا الأسلوب بالتكرار وعدم الاستعجال، حيث يُعتبر التفاوض عملية طويلة الأمد.
-
يبدأ التفاوض بتحديد الأهداف وفهم من يتخذ القرار في الطرف الآخر، مع التمسك بالموقف الأساسي.
-
يتم استخدام الوسطاء، ولا تُكشف جميع الأوراق في البداية، مما يسمح بتحقيق نتائج أفضل مع مرور الوقت.
ثانيًا: المفاوض الأميركي: دونالد ترامب
الخلفية:
-
يمثل دونالد ترامب نموذجًا للمفاوض الأميركي، حيث يعتمد على خبرته في الأعمال والتجارة.
-
في كتابه "The Art of the Deal"، يعبر عن رؤى حول كيفية تحقيق النجاح في التفاوض.
أسلوب التفاوض:
-
الضغط والسقف العالي: يميل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رفع سقف المطالب منذ البداية، مما يخلق انطباعًا بالقوة. يُظهر مرونة في المفاوضات، لكنه يركز على جعل الطرف الآخر يشعر بأنه ليس بحاجة إلى الصفقة أكثر منه.
-
يعتمد على استراتيجيات مباشرة، مثل اختبار نقاط الضعف لدى الطرف الآخر، والتحرك بسرعة نحو تحقيق الأهداف.
وإذا أتينا إلى مقارنة بين الأسلوبين، سنجد ما يلي:
من حيث الوقت والصبر:
-
المفاوض الإيراني: يفضل الصبر والتدرج، حيث يُعتبر التفاوض عملية تستنزف الوقت.
-
المفاوض الأميركي: يميل إلى تحقيق النتائج بشكل أسرع، مع استخدام الضغط والمواجهة إذا لزم الأمر.
من حيث التفكير الاستراتيجي:
-
المفاوض الإيراني: يؤمن بأن التفاوض يبدأ قبل الجلوس على الطاولة، ويتطلب تحضيرًا طويل الأمد.
-
المفاوض الأميركي: يعتمد على القدرة على التكيف وإظهار القوة فورًا، مع وجود بدائل جاهزة.
من حيث الوساطة والتدخل:
-
المفاوض الإيراني: يعتمد على الوسطاء ويقبل بتعقيد المفاوضات، معتمدًا على المصلحة الوطنية لإيران دون الارتهان لأحد.
-
المفاوض الأميركي: يفضل التدخل المباشر والضغط لتحقيق الأهداف، ويعتمد في الخلفية على رغبات نتانياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، ومصالحها.
أما أسلوب جامعة هارفرد، فهو يعتمد على تقديم واستخدام إطار شامل لفهم العوامل المؤثرة على أساليب التفاوض، والتي تشمل:
أولًا: التحضير والتخطيط
-
تحديد الأهداف: فهم ما تريد تحقيقه يساعد في توجيه الاستراتيجية.
-
جمع المعلومات: معرفة الطرف الآخر، بما في ذلك احتياجاته وأهدافه، تعزز من قوة المفاوض.
ثانيًا: البيئة الثقافية
-
القيم والمعتقدات: حيث تؤثر الثقافة على كيفية رؤية الأفراد لعملية التفاوض، مثل مفهوم الوقت، والاحترام، وتوقعات السلوك.
-
التقاليد: بعض الثقافات تفضل التفاوض بطريقة رسمية، بينما تفضل أخرى الأسلوب غير الرسمي.
ثالثًا: الأسلوب الشخصي
-
الأسلوب التفاوضي، والذي يسهم في تحديد كيفية التعامل مع المفاوضات، مثل كون الشخص تعاونيًا أو تنافسيًا.
-
مهارات التواصل: القدرة على التعبير عن الأفكار بوضوح والاستماع بنشاط تؤثر بشكل كبير على النتائج.
رابعًا: الهيكل التنظيمي
-
الدور الوظيفي، والذي تحدده خلفية المفاوض وموقعه في المنظمة، ويمكن أن يحدد مستوى السلطة والقدرة على اتخاذ القرارات.
-
تشكيل الفريق: فريق التفاوض يمكن أن يجمع بين مهارات متعددة، مما يعزز فعالية الاستراتيجيات المستخدمة.
خامسًا: الضغوط الزمنية
-
المواعيد النهائية: وجود ضغط زمني يمكن أن يؤثر على القرارات المتخذة، مما يؤدي إلى تسريع أو تباطؤ العملية.
-
حساسية الوقت: بعض المفاوضات تتطلب اتخاذ قرارات سريعة، بينما يمكن أن تكون أخرى أكثر مرونة.
سادسًا: العلاقات بين الأطراف
-
تاريخ العلاقات: العلاقات السابقة بين الأطراف يمكن أن تؤثر على الثقة والتوقعات خلال التفاوض.
-
التحالفات والعداءات: التفاعلات السابقة يمكن أن تؤدي إلى منحى إيجابي أو سلبي في المفاوضات.
سابعًا: القدرة على التأثير والسلطة
-
القوة التفاوضية: يمتلك كل طرف قوة تختلف عن الآخر، مما يؤثر على الديناميكيات.
-
الموارد المتاحة: القدرة على تقديم بدائل، أو دعم مالي، أو معلومات، يمكن أن تعزز من موقف المفاوض.
ثامنًا: الاستراتيجيات والأساليب
-
الاستراتيجيات المستخدمة: اختيار الاستراتيجيات مثل التعاون أو المنافسة يؤثر على كيفية التعامل مع المفاوضات.
-
التكتيكات: استخدام تكتيكات محددة مثل التنازلات أو العروض يمكن أن يؤدي إلى نتائج مختلفة.
هذه العوامل مجتمعة تشكل الإطار الذي يمكن أن يؤثر على كيفية تطور المفاوضات ونجاحها.
مما سبق، تظهر الأساليب المختلفة بوضوح بين المفاوض الإيراني والأميركي، وكيف أن الثقافة والخلفية تؤثران على طريقة التفاوض. المفاوض الإيراني، بأسلوبه البطيء والصبور، يسعى لاستنزاف الطرف الآخر زمنيًا، مستخدمًا سلاح إغلاق مضيق هرمز، والتأثير على مجريات أسعار الغاز والنفط، واستعداده لقصف كل المناطق التي تقع فيها قواعد عسكرية أميركية، ودعم من الصين وروسيا، بينما المفاوض الأميركي، مثل ترامب، يدخل المفاوضات بتهديد مسبق وبقوة مسنودة بإسرائيل، مؤكدًا على عدم الحاجة إلى الصفقة أكثر من الطرف الآخر.
هذه الفروق تجعل من كل تجربة تفاوضية فرصة لفهم الديناميكيات الثقافية والسياسية التي تُشكّل العلاقات الدولية والإقليمية، مع توقع اللا-نتائج والعودة لحرب أشرس، بنسب تتفاوت بين 30 بالمئة لنجاح عملية التفاوض و70 بالمئة للعودة إلى ساحة الاقتتال، والتي إن حدثت فإن النظام السياسي الأميركي معرض للانهيار، والبنى التحتية الإيرانية للتدمير.


