: آخر تحديث

خريجو الدراسات العليا: استثمار وطني مؤجل

5
6
6

تغريد إبراهيم الطاسان

ليس من المنطقي أن يُترك التعامل مع خريجي الماجستير والدكتوراه لاجتهادات سوق العمل وحده، وكأننا نتحدث عن وظائف تقليدية يمكن تأجيلها أو استبدالها، بينما الحقيقة أن هذه الفئة تمثِّل رصيدًا وطنيًا عالي القيمة، تشكَّل عبر سنوات طويلة من الاستثمار في التعليم والتأهيل.

هنا، لا نتحدث عن أفراد يبحثون عن وظيفة، ولكن عن عقول صُنعت بعناية، وتنتظر أن توضع في المكان الذي يليق بها ويستثمرها على النحو الأمثل.

ومنذ اللحظة التي ينال فيها الخريج درجة الماجستير أو الدكتوراه، ينبغي ألا يُترك وحيدًا في مواجهة سوق متقلب، بل يُفترض أن تكون هناك جهة تتبناه، ترعاه علميًا، وتعمل على تسويقه وظيفيًا، وتربطه بالفرص التي تتناسب مع تخصصه وخبرته.

جهة تُحسن قراءة قدراته، وتُعرّف به، وتفتح له المسارات، كما تفعل كبرى المؤسسات العالمية مع الكفاءات النوعية. فالموهبة العلمية لا يكفي أن تُمنح شهادة، بقدر ما تحتاج إلى من يقودها نحو التأثير.

من هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة تعريف هذه المرحلة بوصفها ملفًا وطنيًا إستراتيجيًا، لا مجرد مسار توظيفي. ويبدأ ذلك بإلحاق خريجي الدراسات العليا بمراكز بحوث متخصصة داخل مدنهم، في بيئات علمية ومنهجية قادرة على احتضانهم، والحفاظ على تراكمهم المعرفي من التآكل، ومنحهم فرصة حقيقية لمواصلة الإنتاج العلمي والتطبيقي. فالمعرفة، إن لم تُمارس، تبهت، والدافعية، إن لم تُغذَّ، تتلاشى.

إن فكرة التعيين المؤقت المنظم، بمكافأة ثابتة مجزية، وبدلات مستحقة تُحتسب كسنوات خدمة، ليست امتيازًا زائدًا، بل أداة ذكية لإدارة رأس المال البشري. فهي تضمن بقاء الكفاءات في دائرة الفعل، وتمنع تسرّبها إلى مسارات بعيدة عن تخصصها، أو دخولها في حالة انتظار قد تمتد لسنوات.

وفي المقابل، فإن الدولة لا تتحمَّل عبئًا إضافيًا بقدر ما تعيد توجيه استثمارها في الإنسان نحو مسار أكثر كفاءة واستدامة.

لكن الإشكال الأعمق لا يقف عند التوظيف، بل يتجاوزه إلى غياب الرؤية المؤسسية في التعرّف على هذه الكفاءات أصلًا.

كم من جهة حكومية أو قطاع حيوي يعمل دون أن يدرك أن بين منسوبيه من يحمل درجة الدكتوراه؟ وكم من باحث أو مختص لا يجد فرصة لتطبيق ما تعلَّمه، لأن لا أحد سأل عنه أو عرف كيف يستثمره؟ هذه الفجوة تكشف الحاجة الملحة إلى إنشاء مركز وطني شامل، يتولَّى حصر حملة الشهادات العليا، وتوثيق تخصصاتهم الدقيقة، وبحوثهم، ومجالات خبرتهم، ليكون قاعدة بيانات ديناميكية تُوضع بين يدي صُنَّاع القرار.

هذا المركز لا ينبغي أن يكون مجرد سجل معلومات، بل منصة تفعيل، تُوجّه من خلالها الوزارات والهيئات للاستفادة من الكفاءات الوطنية بوعي وتنظيم، وتُبنى عليه شراكات بحثية وتطبيقية حقيقية، تقلِّل من الاعتماد المفرط على بيوت الخبرة الأجنبية، وتُعزِّز الثقة في المنتج العلمي المحلي.

فمن غير المقبول أن نستورد الحلول بينما نملك من يستطيع إنتاجها، ولا أن ندفع مقابل المعرفة، بينما لدينا من يحملها وينتظر فرصة لاستخدامها.

حملة الدراسات العليا ليسوا فائضًا أكاديميًا، كما قد يُتصوَّر في بعض الأحيان، بل هم ما يمكن تسميته بـ»الذهب الأبيض» لأي دولة تسعى إلى بناء اقتصاد معرفة حقيقي.

هم القادرون على قراءة المشكلات بعمق، وتحليلها بمنهجية، واقتراح حلول قابلة للتطبيق، بعيدًا عن العشوائية أو الارتجال. إن ضخ هذه الكفاءات في شرايين المؤسسات، كفيل بأن يرفع جودة القرار، ويُثري الممارسة المهنية، ويُحدث نقلة نوعية في الأداء العام.

ما تعلمه هؤلاء لا ينبغي أن يُركن في صفحات السير الذاتية، بل أن يتحول إلى قيمة مضافة تُرى في المشاريع، وتُقاس في النتائج. أدوات البحث والتحليل التي يمتلكونها ليست رفاهية، هي ضرورة في عالم تتسارع فيه التغيُّرات، وتتعقَّد فيه التحديات.

إن إعادة تصميم المرحلة الانتقالية بين التخرُّج والتوظيف، بوصفها منظومة متكاملة للرعاية والتفعيل، لا يحمي الأفراد فحسب، بل يحمي استثمارًا وطنيًا طويل الأمد، ويؤسس لبيئة تُحسن إدارة المعرفة، وتمنع هدرها. وفي النهاية، فإن الدول لا تتقدَّم بما تملك من موارد فقط، بل بكيفية إدارتها لعقولها، وقدرتها على تحويل العلم إلى أثر، والمعرفة إلى قوة فاعلة في واقعها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد