يُجادل بارسي في كتابه «التحالف الغادر» بأن العداء الإسرائيلي – الإيراني مدفوعٌ أساساً بتغيرات الجغرافيا السياسية وحسابات موازين القوى، وليس بأيديولوجية أو دين ثابتين. فسياسات الدول تتشكل بفعل المصالح الاستراتيجية، بينما تلعب الأيديولوجيا دوراً ثانوياً. وبأن التحولات الكبرى في العلاقات الإسرائيلية – الإيرانية، من تعاون في عهد الشاه إلى عداء صريح في عهد الجمهورية الإسلامية، تزامنت مع تغّيرات كبيرة في النظام الإقليمي، وليس مع منعطفات دينية. فتاريخ التعاون الضمني بين إسرائيل وإيران طويل، حيث شكلت إيران الشاه وإسرائيل ما يسميه بارسي «تحالفاً»، كونهما دولتين غير عربيتين، مواليتين للغرب، تتعاونان ضد خصوم عرب مشتركين، كما تتعاونان أمنياً واقتصادياً، من تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم المشترك للأكراد العراقيين، وصفقات النفط، وبرنامج الصواريخ، وتدريب إسرائيل للقوات الإيرانية. ثم حدثت القطيعة، بعد الخمينية، التي تبنت خطاباً حاداً ضد الصهيونية، لكنها تسامحت تالياً مع إسرائيل وتعاملت معها، لأنه يخدم مصالحها، مثل فضيحة إيران كونترا. كما يرى أن دعم إيران للجماعات الفلسطينية المتشددة كان جزئياً وسيلةً لكسب النفوذ، وليس مجرد تضامن أيديولوجي. ومع نهاية حرب تحرير الكويت، وانهيار الاتحاد السوفيتي، برزت إسرائيل وإيران كقوتين رئيسيتين متنافستين على النفوذ الإقليمي. ويرى بارسي أن الحكومات الإسرائيلية، ولا سيما منذ عام 1992 فصاعداً، عملت بنشاط على إعادة تصوير إيران تهديداً وجودياً عالمياً، مدفوعة بحاجتها إلى «تهديد مركزي» جديد لترسيخ علاقاتها مع أمريكا. ويقول إن إسرائيل أفشلت كل مساعي إيران للتقارب مع أمريكا، على الرغم من أن إيران تعاونت معها في قضية رهائنها في لبنان، وفي أفغانستان.
من موقع بارسي الأكاديمي، كتب مقالاً عن اتفاق وقف إطلاق النار الهش، الأخير، وذكر شروط إيران التالية:
1 - التزام أمريكا ضمان عدم الاعتداء
2 - استمرار سيطرة إيران على «هرمز»
3 - قبول تخصيب إيران لليورانيوم
4 - رفع جميع العقوبات عنها
5 - رفع العقوبات عن الأطراف التي تتعاون معها
6 - إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن الدولي التي تستهدفها
7 - إنهاء جميع قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن برنامجها
8 - دفع تعويضات لإيران
9 - سحب القوات الأمريكية من المنطقة
10 - وقف إطلاق النارعلى جميع الجبهات بما في ذلك لبنان
وبيّن أن الولايات المتحدة لم توافق على البنود أعلاه، لكن مجرد كونها أساساً للمفاوضات، فهي بالتالي تُعد انتصاراً دبلوماسياً لطهران، خاصة مع الإقرار باحتفاظها بسيطرتها على مضيق هرمز، خلال فترة وقف إطلاق النار، وبالتالي توقع تعثّر المحادثات المرتقبة في إسلام آباد بين الطرفين، وكيف أن تراجع ترامب عن استخدام القوة أدى لإضعاف مصداقية تهديداته العسكرية، مع الإقرار بأنه لا يزال بإمكانه التلويح بالقوة، لكنه لم يعد في وضع يسمح له بفرض شروطه؛ وأي اتفاق يجب أن يقوم على حلول وسط حقيقية. وهذا بدوره يتطلب دبلوماسية وصبراً وانضباطاً، وهي ليست من «فضائل» ترامب. وقد يتطلب الأمر مشاركة قوى، مثل الصين، في المفاوضات. كما ستتوقف استدامة وقف إطلاق النار على قدرة ترامب على منع إسرائيل من تقويض المسار الدبلوماسي، خاصة بعد أن وصف مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى الاتفاق بأنه «كارثة سياسية».
ويرى بارسي أنه حتى لو انهارت المحادثات، وحتى لو استأنفت إسرائيل قصفها إيران، فليس بالضرورة سيعود ترامب إلى الحرب. ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن جولة ثانية ستُسفر عن نتيجة مختلفة، أو أنها لن تُبقي إيران مرة أخرى في موقف يسمح لها برهن الاقتصاد العالمي. أكد بارسي بأن هذه الحرب كانت خطأ استراتيجياً، فبدلاً من أن تُعجّل بتغيير النظام، فقد منحته فرصة جديدة للبقاء، تماماً كما فعل صدام حسين عام 1980، عندما ساهم بغزوه لإيران في توطيد سلطة الخميني.
* * *
أرى، في جميع الأحوال، أن المنطقة ستبقى مضطربةً، في ظل بقاء سياسات النظام في إيران على نهجها العدائي.
أحمد الصراف

