بعد كل ما حصل من خيبات أمل وغدر ونكران للجميل في التجارب التي مرت بها الكويت، تاريخياً، يبرز السؤال المنطقي: هل مشكلة الكويت في العطاء.. أم في طريقة إدارته، بعد تعدد وتكرار محطات «الغدر السياسي» أو خيبات الأمل؟!
وفي كل هذه المحطات لم يكن الدعم السياسي للكويت بحجم دعمها للآخرين، فالكويت لم تخطئ عندما أعطت، لكنها لم تربط العطاء بالمصالح الاستراتيجية.
للأسف اكتشفنا، وإن كان متأخراً، أن العالم اليوم لا يعمل بمنطق: «أعطي لأنني إنساني فقط»، بل بمنطق: «أعطي.. لأحمي نفسي أولاً»، وللأسف توصلنا لهذه الحقيقة بعد الدروس القاسية الذي عشناها من تفاصيل التاريخ.
التجربة الكويتية يجب أن تقول اليوم، وبكل وضوح: إن العطاء غير المشروط لا يخلق بالضرورة ولاءً، والدعم المالي لا يضمن مواقف سياسية والذاكرة السياسية للدول أقصر من الذاكرة الإنسانية.
مؤسف جداً أن نصل لهذه النتيجة التي لا تتطابق مع إنسانيتنا ومع حبنا للعمل الإنساني، ولكن للحقيقة أحكامها. فالعالم اليوم لا يعمل بمنطق: «أعطي لأنني إنساني فقط»، بل بمنطق «أعطي.. لأحمي نفسي أولاً».
الكل يعرف أن الكويت: دولة صغيرة.. لكنها من أكبر المانحين عالمياً. فمنذ تأسيس الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية عام 1961، تبنّت الكويت سياسة واضحة: الإنسان أولاً... دون شروط.
وقدّمت الكويت آلاف القروض والمنح لأكثر من 100 دولة حول العالم، وقد تجاوز إجمالي القروض عبر الصندوق 6.8 مليارات دينار كويتي (عشرات المليارات بالدولار).
العراق.. نموذج صارخ للعطاء ثم الصدمة، حيث قدمت الكويت للعراق مساعدات مباشرة وغير مباشرة بمئات الملايين، ثم تم الاجتياح الكامل العراقي للأراضي الكويتية واحتلالها، ثم نهب وتدمير البنية التحتية.
بعدها ساهمت الكويت في إعادة اعمار العراق بعد 2003، ودعمت مشاريع إنسانية وخدمية فيها، ووصلت مساعداتها إلى 200 مليون دولار عبر برامج متعددة، كما دعمت أكثر من 200 ألف لاجئ داخل العراق.
قبل ايام اقتحم عراقيون القنصلية الكويتية في البصرة، وتم رفع العلم الكويتي من المبنى.
ليست القضية هنا العراق فقط، بل نمطاً متكرراً لضعف المواقف العربية في الأزمات وفي محطات عديدة، لم يكن الدعم السياسي للكويت مقبولاً.
الموضوع ما هو حدث عسكري، بل انهيار لمعادلة الثقة، حين تتعرض دولة قدّمت الدعم للاجتياح، وحين يتحول جار قريب.. إلى خطر وجودي، وحين تعجز منظومة عربية.. عن الردع في لحظة مصيرية.
هنا يبرز سؤال مصيري: ما الذي يجب أن يتغير؟!
هل تتوقف الكويت عن مساعداتها الانسانية؟!
بالطبع لا، وألف لا.. المطلوب هو اعادة تعريف هذه المساعدات، لتتحول إلى أدوات نفوذ تربط الدعم بمواقف سياسية واضحة، حماية لمصالحنا الوطنية. ثم توجه أولوية هذه الاموال للداخل
وإعادة اعمار ما تضرر من هجمات ايران الغادرة وتعزيز الاقتصاد الوطني ثم زيادة الاستثمار في الإنسان الكويتي.
من الضروري جداً الانتقال من «الفاعل الخيري» إلى «الفاعل الإستراتيجي» ودعم الدول التي تقف مع الكويت، وتقليل وليس قطع الدعم للدول التي لا تبادلها المواقف نفسها.
بلا مجاملة، الكويت لم تكن يوماً دولة بخيلة.. بل كانت دولة سبّاقة في الإنسانية.. والتاريخ اليوم لا يهمس، بل يصرخ، بحقيقة واحدة: إن الدول التي تعطي بلا حساب.. تُستنزف بلا مقابل.
وبناء عليه فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى قلب «أقل إنسانياً»، بل إلى «عقل أكثر صرامةً».
* * *
قلوبنا مع لبنان الجميل.. لبنان القلب.. بكي وبكينا معه، الله يأخذ اللي كان السبب.
إقبال الأحمد

