نشرتُ مقالًا هنا في "إيلاف" عنوانه: "أتيتُ ببرهان عقلي قطعي على وجود الروح!"، ويحسن بمن أراد فهم هذا المقال الجديد الرجوع إلى ذلك المقال السابق، الذي تجدونه بسهولة عبر الدخول إلى ملفي الشخصي في إيلاف.
بعد أن نُشر مقالي السابق، وصلني عدد من ردود الأفعال، من أهمها ردٌّ وردَ من أحد أصدقائي المفكرين الذين أحبُّ ذكاءهم وأعتزُّ بهم، يقول فيه:
أعجبني المقال وأميلُ إلى الاقتناع بما جاء فيه، ولكنّي أتساءل عن مرضى الزهايمر والذين يصابون بالخرف أو المشاكل العقلية وما شابه، فهم عاجزون عن الشعور بهذه الروح، على النحو الوارد في حجتك وأمثلتها الخمسة الموجودة في مقالك السابق.
فلا يمكن للواحد منهم أن يصرَّ على رفع شكوى أو قضية مع رفض كلِّ التدخلات والوساطات التي تحاول إقناعه بالعفو والصفح أو التنازل، كما في مثالك الأول إذا انكسر أمامه المخطئ واعتذر منه، ولا نجد الواحد من هؤلاء المرضى يسعى إلى ردِّ الجميل وتقديم الشكر والامتنان لمن أسدى له معروفًا، كما في مثالك الثاني، وأيضًا: لا نجد مريض الخرف أو الزهايمر حريصًا على المحافظة على السمعة كما في مثالك الثالث، وكذلك الحال في مسألتي: الكرامة، والرغبة في الخلود المعنوي، في مثاليك الرابع والخامس... إلخ. انتهى كلامه.
فقلتُ له: لا شك أنّ ردَّك يستحق التأمل، ولكني سأردُّ عليك من ثلاث زوايا في ثلاث نقاط:
1- أنّ أجسادهم ضعفَ ارتباطها بأرواحهم، لتقدُّم السن وضعف الأعضاء وفقدان القدرة وتراجع القوة والنشاط، وهذا لا يقتضي عدم وجود الروح، بل إنه أمر منطقي عندي، فالروح عند الموت تفارق الجسد، وما تلاحظه على كبار السن من الخرف والزهايمر وما شابه، هو مقدمات منطقية وطبيعية تسبق الفراق.
2- أنّهم لا يفقدون ذلك تمامًا بشكل عام، ويختلفون عن بعضهم في التفاصيل، فهناك مِن مرضى الزهايمر والمشاكل العقلية "وقد شاهدتُ بنفسي ووقفتُ على حالات" مَن يشكر ويغضب ويعاتب، وينتصر لذاته ولكرامته، ويسعى إلى المكانة ويطلب الاعتذار ورد الاعتبار حين يتعرّض لإساءة أو اتهام أو نحو ذلك، بطرق تتناسب مع وضعه الصحي، وهذا يعني "عندي" أنّ الروحَ موجودة ولكن ارتباطها بالجسد ضعف أو اختل، تمهيدًا لفراقه ومغادرته، كما ذكرتُ لك في النقطة الأولى السابقة.
3- أنّ الروحَ ضعفتْ وشاختْ أيضًا فهذا وارد مع ضعف هذا الاحتمال عندي، فالحجج والأمثلة التي أوردتُها في مقالي السابق، كأدلةٍ تثبت وجود الروح في نظري، لا يتعارض معها وجود احتمالية هي أنّ الروحَ تكبر وتشيخ وتضعف كما يكبر الجسد ويشيخ ويضعف، ولهذه النقطة الثالثة تحديدًا شرحٌ طويل يصعب القيام به هنا، وبإمكانك البحث عنه والاستزادة منه، ومن ذلك مثلًا "باختصار" ما ورد في بعض الأفكار التأملية القديمة، وهو معتقد خلاصته أنّ الروحَ تضعف وتتعب إذا طال سجنها في الجسد عمرًا مديدًا، ولكنها تعود إلى عافيتها وطبيعتها وقوّتها بعد موت الإنسان، أي عندما يُطلق سراحها من سجن الجسد إنْ صحَّ تعبيري.
وختامًا "وهذا مهم جدًا": أحترمُ الكثير من ملاحظات الأصدقاء التي وردتني حول مقالي السابق، خاصة قولي: "قطعي" في عنوانه، وأتفق معهم في أنّ وصف برهاني بالقطعي فيه مبالغة كبيرة مني، بالرغم من ثقتي الكاملة بأنه برهان صحيح في وجهة نظري الحالية.
والمقصد من قولي "برهان قطعي" هو أنّي أعتقد بوجود الروح بشكل مؤكد عندي وفق برهاني الذي أوردته بأمثلته، والمبالغة الظاهرة في وصفي لبرهاني بأنه "قطعي" هي تأكيدية فقط، وهو أسلوب بلاغي متّبع ومعروف، ولا يستلزم بالضرورة أنّه يوصل إلى اليقين التام، فقد كنتُ وما زلتُ أعتقد أنّه لا يوجد أيُّ معتقدٍ أو رأي يقيني بنسبة 100 بالمئة، في شتى مجالات المعرفة عامة، وفي المسائل الميتافيزيقية من باب أولى، وخاصة المسائل المتعلقة بالروح، التي يقف خلفها سرٌّ قد لا ننجح في كشفه بدقة ووضوح، مهما اجتهدنا في البحث عنه والتفكير فيه، "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي".

